أربيل (كوردستان24)- دعا حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM Party) إلى تنظيم سلسلة من التجمعات الجماهيرية في مختلف المدن التركية ومناطق شمال كوردستان (جنوب شرق البلاد)، وذلك لدعم مسار السلام والمطالبة بإطلاق سراح عبد الله أوجلان.
وفي رسالة مشتركة، وجه الرئيسان المشتركان للحزب، تولاي هاتيم أوغلاري وتونجير باقرهان، نداءً عاجلاً إلى الشعب الكوردي في تركيا وأعضاء ومؤيدي الحزب، يحثونهم فيه على المشاركة الفعالة والواسعة في هذه التجمعات المقرر انطلاقها يوم غدٍ وبعد غد.
وأوضح مسؤولو الحزب أن الهدف الجوهري من هذه التحركات الجماهيرية هو التعبير عن الدعم الشعبي لعملية السلام، والضغط على السلطات التركية لاتخاذ خطوات قانونية وسياسية ملموسة وجدية لحل القضية الكوردية، مع التأكيد على أن حرية أوجلان تمثل مطلباً أساسياً في هذا الإطار.
وبحسب الجدول الزمني المعلن، من المقرر أن تشهد مدن كبرى مثل ديار بكر، وان، إسطنبول، ومرسين، إلى جانب عدة مدن أخرى، هذه التجمعات والفعاليات خلال اليومين المقبلين، وسط توقعات بمشاركة جماهيرية واسعة.
يُذكر أن الصراع المسلح بين الدولة التركية وحزب العمال الكوردستاني (PKK) في عام 1984، وهو صراع خلف عشرات الآلاف من القتلى وتسبب في خسائر اقتصادية واجتماعية هائلة. على مر العقود، جرت محاولات سرية وعلنية للتوصل إلى حل، لكن نقطة التحول الحقيقية بدأت في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.
في عام 2013، أعلنت حكومة حزب العدالة والتنمية (AKP) بقيادة رجب طيب أردوغان (رئيس الوزراء آنذاك) عن انطلاق عملية الحل. تميزت هذه المرحلة بـ:
رسالة أوجلان: في عيد "نوروز" 2013، وجه عبد الله أوجلان رسالة تاريخية من سجنه في جزيرة إيمرالي، دعا فيها إلى وقف إطلاق النار وانتقال النزاع من الميدان العسكري إلى الميدان السياسي.
لجنة الحكماء: شكلت الحكومة لجنة من المثقفين والفنانين والأكاديميين للتنقل بين المدن التركية وإقناع الشارع بضرورة السلام.
اتفاق "دولما باهتشة": في فبراير 2015، عُقد اجتماع تاريخي في قصر دولما باهتشة بإسطنبول بين مسؤولين حكوميين ونواب من حزب الشعوب الديمقراطي (HDP)، حيث تم الإعلان عن نص من 10 نقاط كأساس للحل الدائم.
لم تدم هذه الأجواء طويلاً، حيث انهار المسار في صيف 2015 نتيجة عدة عوامل:
الأزمة السورية: صعود الوحدات الكوردية في شمال سوريا وتوجس تركيا من قيام كيان كوردي على حدودها.
الحسابات الانتخابية: فقدان حزب العدالة والتنمية لغلبيته البرلمانية في انتخابات يونيو 2015 وصعود حزب الشعوب الديمقراطي (HDP).
العمليات الميدانية: تفجير بلدة "سوروج" ومقتل شرطيين تركيين في "جيلان بنار"، مما أدى لعودة العمليات العسكرية الشاملة.
وبعد سنوات من التصعيد العسكري والضغوط القانونية على الأحزاب الكوردية، شهدت الساحة السياسية مؤخراً تحولات غير متوقعة:
مصافحة باهتشلي: في خطوة فاجأت الجميع، قام "دولت باهتشلي" زعيم حزب الحركة القومية (MHP) وحليف أردوغان، بمصافحة نواب حزب "دەم بارتي" (DEM) تحت قبة البرلمان.
مقترح باهتشلي الجدلي: ذهب باهتشلي أبعد من ذلك باقتراحه أن يأتي أوجلان إلى البرلمان ليعلن تصفية حزب العمال الكوردستاني مقابل إنهاء عزلته، وهو ما اعتبره البعض "فرصة تاريخية" والبعض الآخر "مناورة سياسية".
موقف حزب "دەم بارتي": يطالب الحزب بفتح قنوات اتصال رسمية مع أوجلان وتوفير "الحق في الأمل" (قانونياً)، مؤكداً أن السلام لا يمكن أن يتحقق دون أن يكون الكورد طرفاً أساسياً ومعترفاً به.
وتواجه أي محاولة جديدة لإحياء السلام تحديات جسيمة، منها:
انعدام الثقة: فجوة الثقة الكبيرة بين السلطة والمعارضة الكوردية بعد تجربة 2015 الفاشلة.
التعقيد الإقليمي: تداخل القضية الكوردية في تركيا مع الملفات السورية والعراقية.
المواقف الداخلية: وجود معارضة قومية متشددة داخل تركيا ترفض أي تفاوض مع "العمال الكوردستاني".
الوضع القانوني: استمرار سجن العديد من القيادات السياسية الكوردية، وعلى رأسهم صلاح الدين دميرتاش.
وتشهد تركيا حراكاً سياسياً محموماً بعد مؤشرات على احتمالية إحياء "عملية السلام" المتعلقة بالقضية الكوردية. هذا الحراك لا يقتصر على التصريحات، بل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتركيبة البرلمان التركي وتوازنات القوى بين الأحزاب المؤيدة والمصطفة ضد هذا المسار.
التمثيل الكوردي في البرلمان التركي
يُعد حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM Party) الكتلة الأساسية الممثلة للشارع الكوردي في البرلمان الحالي (الدورة الـ28).
عدد المقاعد: يمتلك الحزب 57 مقعداً (بعد أن فاز بـ 61 مقعداً في انتخابات مايو 2023 تحت اسم حزب اليسار الأخضر، قبل أن يتغير اسمه وتحدث بعض التنقلات).
أهميته: يعتبر القوة البرلمانية الثالثة في البلاد. وبالإضافة إلى "دەم بارتي"، يوجد نواب من أصول كوردية موزعين في أحزاب أخرى مثل حزب العدالة والتنمية (الحاكم) وحزب الشعب الجمهوري (المعارض)، لكن "دەم بارتي" هو الحزب الوحيد الذي يتبنى القضية الكوردية كأجندة مركزية ويطالب بالاعتراف بالهوية والحقوق الثقافية والسياسية للكورد.
تتميز الحياة السياسية في تركيا بتعددية واسعة، حيث يتنافس في الانتخابات عادةً ما بين 30 إلى 36 حزباً سياسياً. أما في البرلمان الحالي، فتتمثل القوى السياسية عبر تحالفات كبرى تضم عدة أحزاب:
تحالف الجمهور (الحاكم): يقوده حزب العدالة والتنمية (AKP) ويضم حزب الحركة القومية (MHP) وأحزاباً صغيرة أخرى.
تحالف الشعب (المعارض سابقاً): يقوده حزب الشعب الجمهوري (CHP) مع شركاء سابقين.
إجمالاً، هناك أكثر من 14 حزباً سياسياً ممثلاً تحت قبة البرلمان التركي (بعضهم عبر نواب منفردين أو كتل صغيرة)، مما يجعل تمرير أي تشريع يتعلق بعملية السلام بحاجة إلى توافقات معقدة.
خارطة المواقف من "عملية السلام"
حزب (DEM Party): الداعم الأول، ويشترط أن يكون "عبد الله أوجلان" طرفاً في الحوار، مع المطالبة بإفراجات سياسية وضمانات دستورية.
حزب العدالة والتنمية (AKP): يبدي مرونة حذرة مدفوعة برغبة الرئيس أردوغان في تصفية النزاع المسلح وتأمين جبهة داخلية قوية، وربما لتمرير تعديلات دستورية جديدة.
حزب الشعب الجمهوري (CHP): أكبر أحزاب المعارضة. أبدى رئيسه "أوزغور أوزيل" دعماً مشروطاً، مؤكداً أن "البرلمان هو المكان الصحيح للحل وليس الغرف المغلقة"، مع ضرورة شمول كافة الأطراف.
القوى المعارضة لعملية السلام:
تواجه عملية السلام معارضة شرسة من تيارات قومية ترى في التفاوض مع "العمال الكوردستاني" أو منح حقوق خاصة للكورد تهديداً لوحدة الدولة:
الحزب الجيد ( Y Parti): يُعد من أشرس المعارضين لأي تقارب مع "دەم بارتي" أو منح أوجلان أي دور سياسي، معتبراً ذلك "خيانة" لدماء الشهداء.
حزب النصر (Zafer Partisi): بقيادة أوميت أوزداغ، وهو حزب قومي متطرف يعارض بشدة أي حل سياسي للقضية الكوردية ويتبنى خطاباً متشدداً ضد أي تنازلات.
أجنحة داخل حزب الحركة القومية (MHP): رغم أن زعيم الحزب "دولت باهتشلي" هو من أطلق المبادرة المفاجئة، إلا أن هناك قواعد حزبية وقيادات داخلية تشعر بالاستياء وتخشى أن يؤدي هذا المسار إلى تآكل القاعدة الشعبية القومية للحزب.
حزب الرفاه من جديد (Yeniden Refah): يتخذ مواقف متذبذبة لكنه يميل إلى انتقاد أي مسار لا يضمن السيطرة الكاملة للدولة.
تمر عملية السلام في تركيا حالياً بمرحلة "جس نبض". فبينما تدعو الجماهير وحزب "دەم بارتي" عبر تجمعاتهم إلى خطوات عملية لإنهاء العزلة عن أوجلان وبدء حوار سياسي، تبقى الكرة في ملعب السلطة التركية لتحديد ما إذا كانت هذه الإشارات الأخيرة ستتحول إلى "خارطة طريق" حقيقية أم أنها مجرد تهدئة تكتيكية تفرضها الظروف الإقليمية والداخلية.
تظل عملية السلام في تركيا "رهينة" للتجاذب بين القومية التركية المتشددة والمطالب الكردية، في ظل برلمان يتوزع فيه 57 نائباً كوردياً يطالبون بالحل، مقابل كتل قومية ترفض تقديم أي تنازلات سياسية
هذا المحتوى مقدم من كوردستان 24
