وكالات التصنيف الائتماني بدأت تتعامل مع موجات الحر الشديدة باعتبارها تهديدًا مباشرًا للميزانيات العمومية والاقتصادات الوطنية؛ إذ ينخفض معدل الإنتاجية بنحو 1.30 دولار لكل ساعة عمل مقابل كل درجة حرارة تتجاوز 30 درجة مئوية، فيما تتوقع "أليانز" أن تبلغ الخسائر الاقتصادية في فرنسا 240 مليار دولار، وفي اليابان 354 مليار دولار بحلول عام 2030.

لم تعد موجات الحرارة المتلاحقة التي يشهدها عام 2026 تبدو كأنها مجرد تقلبات جوية عابرة منذ فترة؛ بل تحولت إلى استنزاف ملموس لمعدلات الإنتاجية، وعامل مهدد لاستقرار سلاسل إمداد الغذاء، مما دفع وكالات التصنيف الائتماني للتعامل مع الحرارة الشديدة كتهديد مباشر للميزانيات العمومية الحكومية.

ولطالما اعتادت الأسواق اعتبار الطقس مشكلة تقع على عاتق أطراف أخرى. وعلى مدى سنوات، ظل تأثير الحر الشديد يُدرج ضمن ملاحق تقارير الاستدامة والحوكمة البيئية والاجتماعية، أو تتحمل شركات التأمين تكلفته بصمت، قبل أن تمضي الأسواق قدمًا. إلا أن صيف 2026 جعل هذا النهج غير قابل للاستمرار.

ومع تحطم الأرقام القياسية لدرجات الحرارة في كل مكان دفعة واحدة، ابتداءً من نيودلهي ووصولاً إلى تسجيل لندن 40 درجة مئوية في إحدى ظهيراتها، تكشفت حقيقة صارخة يصعب تجاهلها اليوم وهي أن الاقتصاد العالمي بُني ليتناسب مع مناخٍ قد رحل بالفعل.

هذا النوع من الاضطراب ليس من الفئة التي تنقشع آثارها بحلول شهر سبتمبر/أيلول المقبل؛ إذ تحولت الحرارة إلى قوة هيكلية تعيد تسعير الطاقة، وتلتهم الهوامش الربحية للشركات، وتزعزع أمن الإمدادات الغذائية، بل وباتت تنعكس بوضوح على تكلفة الاقتراض الحكومي. فأصبحت الحرارة مدخلاً اقتصادياً قائماً بذاته، فيما بدأت الأسواق للتو في احتساب تداعياتها الاقتصادية.

اختناق منظومات التبريد: ضغوط تلتهم هوامش الأرباح وتغذي التضخم تظل شبكات الكهرباء هي الساحة الأسرع لمراقبة تداعيات هذه الأزمة؛ إذ يستمر الطلب على طاقة التبريد في تسجيل مستويات قياسية، بينما تكافح شركات المرافق الخدمية لمواكبة هذا العبء، لتتسرب هذه الضغوط بشكل مباشر إلى أسعار السلع الأساسية.

وفي الأسواق الناشئة، يتخذ هذا التحدي طابعاً هيكلياً؛ حيث تحذر "مدرسة سميث" التابعة لجامعة أكسفورد ومنظمة "غرين سنترال بانكينغ" من أن الطلب على التبريد بات يتجاوز قدرة الشبكات الاستيعابية بمعدلات متسارعة وصادمة. وفي حين تحصل منطقة جنوب آسيا على بعض الدعم نهاراً من الطاقة الشمسية، التي تخفف جزئياً من حدة ذروة الاستهلاك المسائية، إلا أن الأزمة الحقيقية تبدأ مع غروب الشمس.

ومع حلول المساء، تظل الأحمال الكهربائية مرتفعة بشكل حاد، ما يضطر الشبكات إلى الاعتماد على الغاز الطبيعي المسال المستورد والفحم لتغطية هذا العجز. هذا الخلل في التوازن يضيف نحو 1.2% إلى تكاليف مدخلات قطاع الطاقة مقابل كل درجة حرارة ترتفع فوق المعدل التاريخي المعتاد.

بالنسبة للصناعات الثقيلة، تعني هذه النسبة تبخر هوامش أرباحها بالكامل. أما بالنسبة للمصارف المركزية، تمثل هذه النسبة مصدرًا إضافيًا للتضخم لا يمكن القضاء عليه عبر رفع أسعار الفائدة وحده.

استنزاف الإنتاجية: الدول المتقدمة في مهب طقس لم تستعد له لا تقتصر فصول هذه المعاناة على العالم النامي فحسب؛ إذ دفعت موجة الحر التي ضربت بريطانيا في شهر يونيو/حزيران الماضي درجات الحرارة لتتجاوز عتبة 40 درجة مئوية كاشفة عن مدى السرعة التي يمكن أن تصاب بها الاقتصادات الغنية والعريقة بالشلل التام.

صُممت البنى التحتية من طرق، وخطوط سكك حديدية، ومدارس، وشبكات مياه جميعها لتناسب طبيعة معتدلة المناخ، ولم يؤخذ في الحسبان قط مواجهة مثل هذه الظروف. ونتيجة لذلك، أطلق مكتب مجلس الوزراء البريطاني "تحذيرات صحية باللون الأحمر" لمواجهة الحر الشديد في إجراء نادر الحدوث. وبناءً عليه، أُغلقت المدارس في جميع أنحاء إنجلترا وويلز، وحُدّدت سرعات القطارات منعاً لالتواء القضبان الحديدية، وتلا ذلك فرض قيود صارمة على استهلاك المياه.

وتأتي الفاتورة الاقتصادية سريعاً، لتتراكم بطرق قد يصعب رصدها للوهلة الأولى؛ فعندما تُغلق المدارس، يضطر مئات الآلاف من أولياء الأمور إلى ترك أعمالهم لرعاية أطفالهم، لتنتقل موجة الغياب هذه وتلقي بظلالها على كل مكتب ومنفذ خدمة خلفهم.

وتشير تقديرات مركز "أليانز ريسيرش" للأبحاث إلى أن معدل الإنتاجية لكل ساعة عمل ينخفض بنحو 1.30 دولار بموجب تعادل القوة الشرائية الثابتة، مقابل كل درجة حرارة ترتفع في النطاق ما بين 30° و35°. وعند إسقاط هذه الأرقام على اقتصادات ناضجة، تصبح الحصيلة الإجمالية مقلقة للغاية؛ إذ تتوقع "أليانز" أن تخسر فرنسا 240 مليار دولار واليابان 354 مليار دولار بحلول عام 2030، وذلك مع تآكل الأرباح وتوقف الشركات عن الاستثمار.

تهديدات سلاسل الإمداد الغذائي يظل قطاع الزراعة هو الساحة الأكثر تضرراً والأشد قسوة في هذه المواجهة؛ فالمحاصيل الزراعية لا تقبل التفاوض، بل تنمو وفق عتبات بيولوجية محددة، وبمجرد تجاوزها، تبدأ القيمة القائمة في الحقول بالاختفاء ببساطة. وفي هذا السياق، حددت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية هذا الخط الحرج عند 30 درجة مئوية؛ وهي النقطة التي تبدأ عندها إنتاجية.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من فوربس الشرق الأوسط

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من فوربس الشرق الأوسط

منذ 6 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 4 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ ساعة
إرم بزنس منذ 3 ساعات
إرم بزنس منذ 5 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 8 ساعات
صحيفة الاقتصادية منذ 3 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 4 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 4 ساعات