مخزون المحروقات في المغرب.. هل يكفي لمواجهة الأزمات؟

مع أزمتي الحرب الروسية الأوكرانية قبل سنوات ونظيرتها الأميركية الإيرانية قبل أشهر، يتكرر سؤال داخل المغرب مع التقلبات السعرية للوقود عالمياً عن كفاية سعات تخزين المحروقات في بلد يستورد أكثر من 90 % من احتياجات الطاقة من الخارج.

وما يزيد من الحديث عن مخزون المحروقات ارتفاع أسعار الوقود بسرعة مع كل أزمة عالمية والبطء في تراجعها عقب انتهاء التقلبات العالمية، بحسب ما يراه خبراء اقتصاد مغاربة تحدثوا لـ«إرم بزنس»، مؤكدين أهمية إيجاد حلول جذرية، سواء مع بدء التخزين في ميناء الناظور غرب المتوسط أواخر العام، بالإضافة إلى إعادة تشغيل مصفاة لاسامير، أو خلق مؤسسة أخرى تتولى هذه المهمة وتعمل على بناء مخزونات استراتيجية لتفادي أي أزمات مستقبلية.

ومنذ اندلاع حرب إيران في 28 فبراير الماضي، شهد السوق المغربي 5 زيادات على الأقل في أسعار الوقود مقابل 3 تخفيضات.

وكانت أحدث تلك التغيرات في 16 يونيو الجاري، مع انخفاض أسعار المحروقات بالمغرب، التي تضم نحو 3350 محطة وقود، تمثل في تراجع بطيء في ثمن الغازوال (الديزل) بـ0,40 درهم (0.043 دولار) للّتر من 13.97 درهم إلى 13.57 درهم، فيما سجل سعر البنزين انخفاضاً بـ0,60 درهم (0.065 دولار) للّتر من 14.55 درهم إلى 13.95 درهم، مع أحاديث غير رسمية عن انخفاض جديد يوليو المقبل.

المغرب يقتني 440 قطاراً كهربائياً لتحديث سككه قبل مونديال 2030

تأمين مخزون المحروقات أولوية مغربية

في أواخر يونيو الجاري، أفاد مجلس المنافسة في المغرب (حكومي) في تقرير بأن واردات الديزل والبنزين الإجمالية بلغت 6,9 مليون طن، بقيمة إجمالية قدرها 47.1 مليار درهم سنة 2025، مسجّلة زيادة بنسبة 6,7 % مقابل 6.5 مليون طن مقارنة مع 2024، لافتاً إلى أنه في نهاية عام 2025، استقر عدد الشركات المرخص لها باستيراد المنتجات البترولية السائلة عند 35 شركة، مقابل 31 فاعلاً مسجلاً في نهاية سنة 2024.

وبحسب المجلس ذاته «واصلت قدرات تخزين المحروقات بالمغرب استقرارها خلال سنة 2025، حيث بلغت الطاقة الإجمالية المتاحة على الصعيد الوطني حوالي 1.57 مليون طن، مقابل 1.56 مليون طن خلال سنة 2024، مسجلةً بذلك ارتفاعاً طفيفاً لم يتجاوز 0.5 %»، لافتاً إلى أن «عدد 9 شركات تتوفر وحدها على قدرة تخزينية تصل إلى 1.27 مليون طن، وهو المستوى نفسه المسجل خلال السنة الماضية في قدرة تخزينية تقارب 81% من إجمالي قدرات التخزين الوطنية».

وبسبب ديون تجاوزت 40 مليار درهم (ما يعادل 4.4 مليار دولار) في 2014، تم إيقاف مصفاة «لاسامير» التي تأسست عام 1959 وساهمت في تسهيل الإنتاج عبر التكرير محلياً عام 2015، قبل صدور حكم قضائي بتصفيتها عام 2016 للعجز عن تسديد الديون، وأدى إغلاقها للتأثير على قطاع المحروقات واضطر معها المغرب لاستيراد حاجياته البترولية مُكررةً من الخارج عبر الشركات، مُتعرضاً لتقلبات الأسعار العالمية، بحسب دراسة مغربية نشرت في مايو 2023.

فيما كانت تنتج المصفاة التي تقع على مقربة من ميناء المحمدية النفطي 150 ألف برميل يومياً وتُؤمّن حوالي 64% من احتياجات المغرب من المواد النفطية المكررة بعد استيرادها من الخارج على شكل خام ما كان يُتيح هوامش للتحكم في الأسعار محلياً، وعلى مستوى قُدرات التخزين لدى المصفاة إمكانية تخزين نحو مليوني متر مكعب من كل المواد، بحسب تقرير سابق لمجلس المنافسة.

في مايو الماضي، أوضحت وزيرة الانتقال الطاقي ليلى بنعلي، في تصريحات صحفية، أن مخزون الغازوال (الديزل) في المغرب يكفي حالياً لمدة 48 يوماً، في حين يغطي مخزون البنزين أكثر من 40 يوماً، في تراجع لافت حال المقارنة ببيانات شهر أبريل التي كانت احتياطيات الديزل تكفي 51 يوماً، ومن البنزين لمدة 55 يوماً، بينما ينص القانون المغربي على ضرورة توفير مخزون استراتيجي من المواد النفطية يغطي 60 يوماً على الأقل.

وبلغت واردات المغرب من المنتجات البترولية المكررة 107 مليارات درهم (11.7 مليار دولار) في 2025، بحسب بيانات مكتب الصرف الحكومي نشرت في فبراير الماضي.

محطة للتزود بالوقود في الدار البيضاء بالمغرب.

المغرب يحتاج تأمين مخزونات استراتيجية

أوضح الخبير الاقتصادي المغربي، رشيد الساري، في حديث لـ«إرم بزنس»، أنه «من المعلوم أن المغرب يصنف كدولة غير طاقية، وهو ما يجعله في حالة احتياج دائم لاستيراد أكثر من 90% من مواده الطاقية من الخارج».

وأضاف أنه «بعد بوادر انتهاء أزمة مضيق هرمز المتعطل جراء حرب إيران منذ مارس، لا يزال الأمن الطاقي في المغرب يعيش إشكالات لاسيما مع استمرار إغلاق مصفاة لاسامير وعدم إيجاد بديل لها»، مؤكداً أنه «هناك مجموعة من المخزونات، إلا أنها لا تكفي لتلبية الاحتياجات المطلوبة وجراء ذلك شهدت أسعار المحروقات ارتفاعات قياسية خلال الأزمات».

ويعلق الساري «آمالاً على المخزونات التي سيوفرها ميناء الناظور غرب المتوسط (الذي ينطلق خلال الربع الأخير من العام الجاري ويضم محطة للمحروقات ويوفر سعات تخزين للهيدروكربونات تصل إلى 25 مليون طن)، والتي من شأنها المساهمة في التقليل من حدة المعاناة المرتبطة بنقص المخزون الطاقي، لا سيما إبان الأزمات».

ويشدد على أن «سرعة التأثر عند كل ارتفاع في الأسعار تؤكد بوضوح وجود معاناة حقيقية على مستوى المخزون الطاقي»، مؤكداً أن المغرب اليوم في أمسّ الحاجة إلى حلول جذرية، سواء عبر إعادة تشغيل مصفاة لاسامير أو خلق مؤسسة أخرى تتولى هذه المهمة وتعمل على بناء مخزونات استراتيجية، ولحين تحقيق ذلك يجب العمل على تكثيف وتوسيع دائرة المخزونات لتشمل كافة الجهات وتصبح مخزونات جهوية مع ضرورة استغلال الإمكانيات التي سيتيحها ميناء الناظور غرب المتوسط.

ضرائب جديدة على التجارة الرقمية بالمغرب.. إصلاح اقتصادي أم مخاطرة؟

سعات محدودة بمواجهة أزمات ممتدة

بالمقابل، يرى المحلل الاقتصادي المغربي إدريس عيسوي، في حديث لـ«إرم بزنس» أن «المملكة نجحت في تدبير الإمدادات والمخزون من خلال تأمين الاحتياجات والحفاظ على استمرارية التزود بالوقود، ولم تشهد محطات الوقود أي عجز»، موضحاً أن المغرب إبان ذروة الأزمة في أبريل 2026 حافظ على مخزون احتياطي استراتيجي يكفي لـ51 يوماً من الديزل و55 يوماً من البنزين واعتمدت البلاد على الاستيراد المكثف للمشتقات المكررة من دول متعددة مثل روسيا، والولايات المتحدة، وإسبانيا، لتجاوز تبعات شلل الملاحة في مضيق هرمز.

وفي ظل غياب مصفاة وطنية للتكرير منذ إغلاق «لاسامير»، بالإضافة إلى رصد مجلس المنافسة المغربي لخلل في ممارسات شركات المحروقات، حيث سارعت لنقل الزيادات العالمية بالكامل للأسعار المحلية دون مرونة موازية عند الانخفاض، تتكرر الملاحظات في المغرب، بحسب عيسوي، موضحاً أن سعات التخزين الحالية في المغرب كافية لتأمين الاحتياجات الفورية على المدى القصير، لكنها تظل محدودة لمواجهة أزمات ممتدة أو صدمات خارجية عنيفة.

ويسعى المغرب حالياً إلى تشجيع الاستثمار الخاص في البنيات التحتية للتخزين لرفع هذه المدد وتأمين السيادة الطاقية، بحسب عيسوى، متوقعاً أن يسهم الانخفاض العالمي الحالي لأسعار النفط العالمية (مثل هبوط إلى حدود 72-75 دولاراً للبرميل) في زيادة المخزونات الاستراتيجية والتجارية وانخفاض أسعار المحروقات في محطات التوزيع.

المغرب وجنوب إفريقيا.. كيف تبدلت خريطة القوة الصناعية في القارة؟

الأمن الطاقي أولوية

يعتقد الخبير في الاقتصاد الاجتماعي، عبد العزيز الرماني، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن قضية الأمن الطاقي في المغرب تعد حاسمة، ولا تزال أولوية لدى كافة الحكومات، لافتاً إلى وجود نقاش جارٍ حالياً في المغرب، يتمحور حول نقطتين رئيستين، الأولى هي قضية تسقيف الأسعار ليكون لها ثمن محدد، والثانية هي قضية تأمين المخزون الاستراتيجي من خلال إعادة إحياء مؤسسة المصفاة لاسامير.

ويوضح أنه على الرغم من توفر الطاقة والمخزون الطاقي في المغرب خاصة خلال فترة الحرب الأميركية - الإيرانية، إلا أن الأسعار كانت مرتفعة.

ويشير إلى أن المغرب إذا «أعاد النظر في البنية المرتبطة بتخزين الطاقة والمحروقات، فإن هذا سيوفر ضماناً بطبيعة الحال لمواجهة أي تقلبات»، داعياً إلى ضرورة تطبيق توجيهات المنظمة الدولية المعنية بالطاقة برفع مدة التخزين من شهرين إلى ثلاثة أشهر، باعتباره إجراءً مُؤمِّناً للاحتياطات ومحفزاً أيضاً لتحقيق استقرار أكثر في الأسعار وقت الأزمات.

وأفاد مجلس بنك المغرب، عقب اجتماعه في 23 يونيو الجاري، بأنه يتوقع تسارعاً ملحوظاً في التضخم المحلي، ليصل إلى 1.5% في المتوسط هذه السنة وإلى 2.1% في 2027 جراء زيادة فاتورة الطاقة وأسعار المحروقات التي سجلت ارتفاعاً سنوياً بنسبة 27.6% في مايو الماضي كإحدى تداعيات حرب الشرق الأوسط.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ ساعة
منذ 11 ساعة
منذ 3 ساعات
منذ 24 دقيقة
منذ ساعة
منذ ساعتين
الشرق بلومبرغ منذ 10 ساعات
فوربس الشرق الأوسط منذ 11 ساعة
الشرق بلومبرغ منذ 12 ساعة
الشرق بلومبرغ منذ 3 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 18 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 17 ساعة
الشرق بلومبرغ منذ ساعتين
الشرق بلومبرغ منذ 6 ساعات