في ليلة مطيرة بين 30 يونيو و1 يوليو عام 1520، شهدت جسور عاصمة إمبراطورية الأزتيك "تينوتشتيتلان" مشاهد فوضى وذعر وموت، حُفظت في ذاكرة التاريخ الاستعماري باسم "ليلة الأحزان".
عندما دخل كورتيس وحاشيته من الغزاة الإسبان وحلفائهم من تلاكسكالا إلى تينوتشتيتلان في نوفمبر 1519، انبهر بما رأى. كانت المدينة، التي تأسست عام 1325، تحفة هندسية ومعمارية، جزيرة مترامية الأطراف في وسط بحيرة متصلة بالبر عبر جسور ضخمة، وقنوات مائية، وأسواق تعج بعشرات الآلاف من الناس، ومعابد شاهقة تلمع تحت شمس المكسيك.
استقبله الإمبراطور مونتيزوما الثاني، حاكم إمبراطورية قوية يقطنها الملايين، بحفاوة بالغة وسمح له بالإقامة في قصر فاخر. كانت هناك أفكار غائمة تراود مونتيزوما، فهو حاكم محنك وقائد عسكري قوي، وكان بوسعه بسهولة سحق قوة كورتيس الصغيرة التي لم تكن لتتجاوز بضع مئات من الإسبان مع حلفائهم، لكنه تردد. تروي بعض السرديات التاريخية أن شكوكا راودت الإمبراطور في أن يكون هؤلاء القادمون الغرباء مرتبطين بإلهه كيتزالكواتل، فاختار الترحيب بهم بدلا من مواجهتهم. كان هذا التردد القاتل هو الباب الذي دخل منه الفناء إلى قلب إمبراطورية الأزتك.
سرعان ما تحولت الضيافة إلى أسر. استغل كورتيس حادثة في الساحل كذريعة، فقام بأسر مونتيزوما الثاني في قصره نفسه، وحوله إلى دمية يتكلم باسمه لتهدئة شعبه بينما كان الإسبان يحكمون قبضتهم على المدينة. مارس كورتيس، الذي تعلم تكتيكات الغزو من الحروب ضد المسلمين في الأندلس، أسلوبا معروفا في السيطرة على القادة المحليين. لكن هذا الوضع الهش لم يستمر طويلا.
كان الإسبان يتصرفون كغزاة، يبحثون عن الذهب بشراهة ويسيئون معاملة السكان، بينما كان غياب كورتيس المؤقت إلى الساحل لمواجهة بعثة إسبانية منافسة بقيادة بانفيلو دي نارفايز، سيقدِّم الشرارة التي ستشعل الثورة.
كورتيس ترك المدينة تحت قيادة نائبه الأكثر قسوة وعنفا، بيدرو دي ألفارادو. وفي غياب قائده، وفيما كان الأزتك يحتفلون بمهرجان "توكساتل" الديني الكبير في المعبد الرئيس، ارتكب ألفارادو خطيئة الغزاة الدائمة، المبالغة في الخوف والرد بوحشية مفرطة. أحاط رجاله بساحة الاحتفال وذبحوا مئات من نبلاء وكهنة الأزتك العزل، في مجزرة وصفت بأنها "وقائية" لخوفه من انتفاضة محتملة.
لم تكن لتلك المجزرة أي نتيجة سوى إشعال غضب شعب بأكمله. ثارت المدينة ضد المحتلين وحاصرت مقرهم. وعندما عاد كورتيس منتصرا على منافسيه الإسبان ومعه تعزيزات جديدة، وجد عاصمة تينوتشتيتلان قد تحولت إلى جحيم موصد في وجهه.
حاول استخدام مونتيزوما الأسير كورقة أخيرة، فأجبره على مخاطبة شعبه من شرفة القصر لتهدئتهم. لكن الأوان كان قد فات. فقد الإمبراطور هيبته في عيون شعبه، الذي رأى فيه خائنا متعاونا مع الغزاة. بحسب روايات إسبانية، رشقوه بالحجارة والسهام حتى مات متأثراً بجراحه، بينما تزعم روايات الأزتك أن الإسبان أنفسهم هم من قتلوه خنقا أو طعناً بعد فشله في تهدئة الأوضاع. مهما كانت الحقيقة، كانت وفاته إيذانا بسقوط الستار الأخير عن مسرحية الغش والخداع. انتخب الأزتك على الفور قائدا جديداً لهم هو كويتلاهواك، وهو أخ لمونتيزوما معروف بشجاعته وعدائه القوي للإسبان، وأحكموا الحصار حول كورتيس ورجاله.
أدرك كورتيس أنه وقع في الفخ. لم يعد هناك طعام ولا ماء، وكانت الذخائر على وشك النفاد تحت وطأة الهجمات اليومية. كانت خياراته محدودةـ إما الموت جوعا أو قتلا في المدينة، أو الفرار يئسا تحت جنح الظلام. اختار الخيار الثاني.
كانت المدينة جزيرة، والمخرج الوحيد عبر الجسور الطويلة. وكان الأزتك قد دمروا أجزاء من تلك الجسور، فأمر كورتيس بصنع جسر خشبي محمول يمكنه سد الفجوات. في ليلة الثلاثين من يونيو، اختار كورتيس طريق الهروب عبر الجسر الغربي المؤدي إلى تلاكوبان، وهو الأقصر.
قبل الانسحاب، أمر رجاله بأخذ أكبر قدر ممكن من الكنوز التي جمعوها، وهي كميات هائلة من الذهب والمجوهرات والتحف المسروقة من قصر مونتيزوما وخزائن المعابد.
تحت غطاء عاصفة ممطرة وفي ظلمة الليل، بدأ الموكب البائس بالتحرك. سارت في المقدمة مجموعة من الرجال تحمل الجسر.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من قناة روسيا اليوم
