غسل الكعبة المشرفة شعيرةٌ إيمانيةٌ خالدة ورسالةُ توحيدٍ متجددة ورعايةٌ سعوديةٌ رائدة. الشيخ الدكتور عبدالرحمن بن عبدالعزيز السديس

الحمد لله الذي اصطفى بيته العتيق، وجعله أول بيتٍ وضع للناس مباركًا وهدًى للعالمين، وأودع في رحابه من أسرار السكينة، وأنوار الهداية، وبركات الإيمان ما تتعلق به الأرواح قبل الأبصار، وتخشع له القلوب قبل الجوارح. أحمده سبحانه على ما شرَّف به بيته الحرام من منزلةٍ سامقة، ومكانةٍ شامخة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل تعظيم شعائره من أجلِّ القربات، وربط بين تعظيمها وتقوى القلوب، فقال سبحانه: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله، خير من عظَّم حرمات الله، وأكمل من بلَّغ رسالات ربه، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

أما بعد..

فإن الحديث عن الكعبة المشرفة حديثٌ عن قلب الأمة النابض، وعن قبلة المسلمين الجامعة، وعن البيت الذي جعله الله قيامًا للناس، تتوحد إليه وجوههم في مشارق الأرض ومغاربها، فتجتمع عليه قلوبهم، وتلتقي عنده أرواحهم وإن اختلفت ألسنتهم وألوانهم وأوطانهم. إنها ليست بناءً شامخًا فحسب، وإنما هي رمزٌ خالدٌ لوحدة الأمة، ومنارةٌ للتوحيد، ومدرسةٌ ربانيةٌ تتجدد فيها معاني العبودية والخضوع لله تعالى.

ولذلك، فإن كل ما يتصل بالبيت العتيق يكتسب شرفه من إضافته إلى الله سبحانه، فهو البيت الذي قال فيه جل وعلا: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾، فجاء الأمر الإلهي بالطهارة مقترنًا بأعظم بقعة على وجه الأرض؛ ليقرر أن تعظيم المكان يبدأ بتطهيره، وأن رسالة البيت العتيق هي رسالة التوحيد الخالص الذي لا تشوبه شائبة، ولا يخالطه شرك.

ومن هنا، فإن غسل الكعبة شعيرةٌ ذات دلالاتٍ إيمانيةٍ عميقة، تستحضر أول أمرٍ رباني تعلق بالبيت الحرام، وتستدعي أعظم مشهدٍ في تأريخ الإسلام، حين دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة فاتحًا، فبدأ بالبيت وطهَّره، معلنًا أن هذا البيت إنما شُيِّد ليكون منارةً للتوحيد، ومهوىً للمؤمنين، ومحلًا لتعظيم الله وحده.

وكان ذلك التطهير النبوي إعلانًا عالميًا لبداية عهد التوحيد؛ ولذا بقي غسل الكعبة عبر التأريخ شاهدًا على هذا المعنى العظيم؛ إذ تتجدد به في النفوس رسالة البيت العتيق، وأن طهارته الحسية إنما ترمز إلى الطهارة المعنوية التي جاء بها الإسلام.

ومن هنا تتجلى رسالة رئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي، التي شرفها الله بحمل رسالة الحرمين الشريفين الدينية، وتبليغ هدايتهما للعالم، وإثراء تجربة قاصديهما علميًا وإيمانيًا، وربط المسلمين بمقاصد الشعائر، وأن الحرمين الشريفين ليسا مكانًا للعبادة فحسب، بل منارتان للهداية، وجامعتان للإيمان، ومنطلقان لنشر منهج الإسلام الحق القائم على الوسطية والاعتدال والرحمة والتيسير، وفق المنهج الذي قامت عليه هذه البلاد المباركة منذ توحيدها على يد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيّب الله ثراه-.

إن غسل الكعبة المشرفة يختزل في مشهده معاني عظيمة؛ إذ يجسد تعظيم شعائر الله، ويبعث رسائل الطهارة والتزكية، ويؤكد أن شرف المكان يدعو إلى إخلاص العبودية لله -تعالى.

وانطلاقًا من ذلك، فإن رئاسة الشؤون الدينية بالحرمين الشريفين تؤكد أن حقيقة تعظيم شعائر الله هي عبوديةٌ شاملة تُترجم إلى تعظيم أمر الله، والتمسك بهدي رسوله صلى الله عليه وسلم، وإحياء معالم الوسطية والاعتدال، ومقاومة الغلو والتطرف، وترسيخ منهج الإسلام القائم على الرحمة والحكمة والعدل.

وفي هذا العهد الميمون، تتجلى عناية المملكة العربية السعودية بالحرمين الشريفين في أسمى صورها، إذ جعلت خدمة بيت الله الحرام ومسجد رسوله صلى الله عليه وسلم شرفًا تتوارثه القيادة جيلًا بعد جيل، وأمانةً تضطلع بها الدولة المباركة بكل اقتدار، حتى غدت المملكة أنموذجًا عالميًا في عمارة الحرمين حسًا ومعنى، وخدمة قاصديهما، وإثراء تجربتهم، وتحقيق أعلى معايير العناية.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة المدينة

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة المدينة

منذ 8 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 6 ساعات
صحيفة سبق منذ 4 ساعات
صحيفة عاجل منذ 4 ساعات
صحيفة عاجل منذ 5 ساعات
صحيفة عاجل منذ ساعتين
صحيفة الوئام منذ 7 ساعات
صحيفة عاجل منذ 3 ساعات
صحيفة الوطن السعودية منذ 5 ساعات
صحيفة الوطن السعودية منذ 5 ساعات