الاقتصاد الإدراكي والرأسمالية الإدراكية: ماذا بعد؟

المهندس سعيد المصري شهد التاريخ البشري عبر مراحله الكبرى تحولات اقتصادية وحضارية عميقة أعادت تشكيل طبيعة الدولة والمجتمع والإنسان وأنماط الإنتاج والثروة والقوة. فمن الاقتصاد الزراعي الذي ارتبط بالأرض والمياه والعمل اليدوي، إلى الاقتصاد الصناعي الذي أعاد تشكيل العالم عبر الآلة والطاقة والإنتاج الكثيف، ثم إلى الاقتصاد الرقمي الذي نقل جزءًا كبيرًا من النشاط الاقتصادي إلى الفضاء المعلوماتي، يدخل العالم اليوم مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا وعمقًا تتمثل في صعود الاقتصاد الإدراكي بوصفه البوتقة الحضارية الجديدة للاقتصاد العالمي.

ولا يقتصر هذا التحول على مجرد إدخال أدوات تقنية أكثر تطورًا في عملية الإنتاج، بل يعكس انتقالًا بنيويًا في مصدر إنتاج القيمة الاقتصادية ذاته. ففي حين كانت الثروة في الاقتصاد الصناعي ترتبط بالمصانع والعمالة والطاقة ورأس المال المادي، أصبحت القيمة في الاقتصاد الإدراكي ترتبط بشكل متزايد بالبيانات، والخوارزميات، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة فائقة القدرة، والأنظمة القادرة على التحليل والتعلّم واتخاذ القرار بصورة شبه ذاتية.

لقد أدى التطور المتسارع في مجالات الذكاء الاصطناعي، والأتمتة، والروبوتات، والحوسبة السحابية، والحوسبة الكمّية، إلى رفع الإنتاجية الاقتصادية إلى مستويات غير مسبوقة في التاريخ البشري. إلا أن هذا التقدم التكنولوجي الهائل ترافق في الوقت ذاته مع بروز اختلالات بنيوية جديدة، لعل أخطرها ظاهرة النمو بلا وظائف ، حيث أصبحت الاقتصادات الحديثة قادرة على تحقيق معدلات مرتفعة من النمو والإنتاج والقيمة المضافة دون الحاجة إلى التوسع التقليدي في العمالة البشرية كما كان يحدث في المراحل الصناعية السابقة.

وهنا بدأت تتكشف واحدة من أعقد المعضلات الحضارية في القرن الحادي والعشرين: كيف يمكن الحفاظ على التوازن الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي في عالم تتراجع فيه مركزية العمل البشري التقليدي كمصدر رئيسي للدخل وإعادة توزيع الثروة؟.

لقد ساهمت الرأسمالية الصناعية طوال القرن العشرين في بناء الطبقات الوسطى الحديثة من خلال الربط بين العمل والإنتاج والأجور والاستهلاك، وهو ما أسس بصورة غير مباشرة للعقد الاجتماعي الذي قامت عليه الدولة الحديثة في كثير من دول العالم. إلا أن صعود الرأسمالية الإدراكية بدأ يعيد تشكيل هذه المعادلة بصورة تدريجية، حيث أصبحت الثروة تتركز بشكل متزايد لدى الجهات القادرة على امتلاك البيانات والمنصات والخوارزميات والبنية الحاسوبية فائقة التطور، بينما تتقلص الحاجة إلى قطاعات واسعة من العمالة التقليدية نتيجة الأتمتة المتسارعة.

ومع استمرار هذا التحول، لم تعد التحديات الاقتصادية المعاصرة مقتصرة على النمو والإنتاج فحسب، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بمستقبل العدالة الاجتماعية، واستدامة الطبقة الوسطى، والاستقرار السياسي، ومعنى العمل، والصحة النفسية، والهوية الإنسانية في عصر الوفرة المؤتمتة.

وفي الوقت ذاته، بدأت الدولة الحديثة تواجه تحديات غير مسبوقة تتعلق بالسيادة الرقمية، واحتكار البيانات، والهيمنة التقنية العابرة للحدود، وظهور منظومات مالية رقمية جديدة تشمل العملات الرقمية السيادية، والأصول المرمزة، والمال القابل للبرمجة، إضافة إلى التغيرات العميقة التي قد تفرضها الحوسبة الكمّية مستقبلًا على مفاهيم الأمن والتشفير والسيادة الاقتصادية.

ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى إعادة التفكير في العلاقة بين:

الاقتصاد،

والدولة،

والتكنولوجيا،

والمجتمع،

والإنسان نفسه.

فالتحولات الجارية لم تعد تسمح بالاكتفاء بالنماذج.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الغد الأردنية

منذ 8 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ ساعتين
منذ 5 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 3 ساعات
خبرني منذ 7 ساعات
خبرني منذ 6 ساعات
خبرني منذ 7 ساعات
خبرني منذ 4 ساعات
رؤيا الإخباري منذ 9 ساعات
جو ٢٤ منذ 6 ساعات
خبرني منذ 16 ساعة
قناة المملكة منذ 8 ساعات