هل يمكن لصناعة لم تكن موجودة قبل بضعة عقود أن تصبح أحد أكبر محركات الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة؟ قد يبدو السؤال أقرب إلى الخيال العلمي، لكن الأرقام تقول شيئاً مختلفاً تماماً. ففي الوقت الذي يركز فيه معظم المستثمرين على الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والطاقة النظيفة، ينمو اقتصاد آخر بهدوء فوق رؤوسنا، على ارتفاع مئات الكيلومترات عن سطح الأرض.
إنه اقتصاد الفضاء؛ قطاع لم يعد يقتصر على إرسال رواد الفضاء أو استكشاف الكواكب، بل أصبح منظومة اقتصادية متكاملة تمتد من تصنيع الصواريخ والأقمار الصناعية إلى خدمات الإنترنت والاتصالات والملاحة والزراعة والتأمين والمصارف وحتى الذكاء الاصطناعي.
لم يعد الفضاء مجرد ساحة للتنافس العلمي أو العسكري بين الدول الكبرى، بل تحول إلى سوق عالمية تتدفق إليها مئات المليارات من الدولارات، وتتنافس فيها الحكومات والشركات والمستثمرون على اقتناص فرص قد تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة.
وتشير تقديرات المنتدى الاقتصادي العالمي وماكينزي إلى أن اقتصاد الفضاء العالمي قد يرتفع من نحو 630 مليار دولار في عام 2023 إلى 1.8 تريليون دولار بحلول عام 2035، مدفوعاً بانخفاض التكاليف واتساع استخدام تقنيات الاتصالات والملاحة ورصد الأرض. كما تشير تقديرات أخرى إلى أن هذا الاقتصاد قد يقترب من مستويات تريليونية أكبر بحلول منتصف القرن إذا استمرت وتيرة الابتكار الحالية.
لكن السؤال الأهم ليس: كم سيبلغ حجم هذا الاقتصاد؟ بل: كيف وصلنا إلى هنا؟
«سبيس إكس» تفوز بعقد بـ4.2 مليار دولار لرصد التهديدات الجوية من الفضاء
من سبوتنيك إلى اقتصاد بمئات المليارات
في مساء الرابع من أكتوبر عام 1957، أطلق الاتحاد السوفيتي القمر الصناعي «سبوتنيك 1»، أول جسم من صنع الإنسان يدور حول الأرض. لم يكن القمر أكبر من كرة قدم تقريباً، لكنه أحدث زلزالاً سياسياً وعلمياً واقتصادياً.
أدركت الولايات المتحدة أن الفضاء لن يكون مجرد ساحة علمية، بل ساحة استراتيجية تحدد ميزان القوى العالمي. وهكذا بدأ ما عُرف لاحقاً باسم سباق الفضاء، الذي أصبح أحد أبرز فصول الحرب الباردة.
وفي أقل من اثني عشر عاماً، انتقلت البشرية من إطلاق أول قمر صناعي إلى هبوط الإنسان على سطح القمر عام 1969 ضمن برنامج «أبولو» التابع لوكالة ناسا. كان ذلك إنجازاً علمياً غير مسبوق، لكنه كان أيضاً مشروعاً اقتصادياً وصناعياً هائلاً، استدعى تطوير آلاف التقنيات الجديدة وأسهم في نشوء صناعات متقدمة في الحوسبة والإلكترونيات والمواد المركبة والاتصالات.
ومع انتهاء الحرب الباردة، بدأ الدور العسكري والسياسي للفضاء يتراجع تدريجياً، بينما بدأت الحكومات تتساءل: هل يمكن تحويل هذه الاستثمارات الضخمة إلى نشاط اقتصادي مستدام؟
«سبيس إكس» تطلق 24 قمراً صناعياً جديداً من «ستارلينك» إلى الفضاء، 19 يونيو، 2024.
من الحكومات إلى القطاع الخاص
لعدة عقود، ظل الفضاء حِكراً على الحكومات. كانت تكلفة إطلاق صاروخ واحد تصل إلى مئات الملايين من الدولارات، وأحياناً إلى أكثر من مليار دولار، ما جعل دخول الشركات الخاصة شبه مستحيل.
لكن في مطلع الألفية الجديدة بدأ هذا الواقع يتغير. فقد ظهر جيل جديد من رواد الأعمال الذين لم ينظروا إلى الفضاء باعتباره مشروعاً وطنياً فقط، بل باعتباره فرصة تجارية. وكان أبرزهم رجل الأعمال الأمريكي من أصول جنوب إفريقية، إيلون ماسك، الذي أسس شركة «سبيس إكس» عام 2002 بهدف بدا للكثيرين آنذاك ضرباً من الخيال: خفض تكلفة الوصول إلى الفضاء بصورة جذرية.
في ذلك الوقت، كانت الفكرة السائدة تشبه شراء طائرة جديدة في كل رحلة جوية؛ فبعد إطلاق الصاروخ كان يُستخدم مرة واحدة ثم يُتلف بالكامل. رأى ماسك أن المشكلة ليست في الفضاء، بل في النموذج الاقتصادي نفسه: لو أمكن إعادة استخدام الصاروخ، كما تُستخدم الطائرات مراراً، فإن تكلفة الإطلاق ستنخفض بصورة هائلة.
وبعد سنوات من التجارب والإخفاقات، نجحت «سبيس إكس» في إعادة المرحلة الأولى من صاروخ فالكون 9 إلى الأرض، ثم إعادة استخدامها مرات متعددة. لم يكن ذلك إنجازاً هندسياً فحسب، بل كان نقطة تحول اقتصادية غيّرت قواعد اللعبة.
انخفاض التكلفة.. الشرارة التي غيّرت كل شيء
في الاقتصاد، كثيراً ما يؤدي انخفاض تكلفة عنصر أساسي إلى ولادة أسواق جديدة بالكامل. هذا ما حدث مع الإنترنت عندما انخفضت تكلفة الحواسيب والاتصالات، وما حدث مع الهواتف الذكية عندما أصبحت في متناول مئات الملايين من الأشخاص. والأمر نفسه تكرر مع الفضاء.
فخلال العقدين الماضيين، انخفضت تكلفة إطلاق الحمولة إلى المدار بصورة كبيرة بفضل إعادة استخدام الصواريخ، وتحسين تقنيات التصنيع، وتطور المحركات، وتصغير الأقمار الصناعية. وأصبح بالإمكان إطلاق أقمار صناعية صغيرة بتكاليف كانت قبل سنوات حِكراً على الحكومات الكبرى.
هذا الانخفاض في التكلفة لم يجعل الفضاء أرخص فحسب، بل جعله أكثر انفتاحاً. فبدلاً من اقتصار النشاط الفضائي على عدد محدود من الدول، أصبح بإمكان شركات ناشئة وجامعات ومؤسسات بحثية ودول صغيرة أن تطور برامجها الفضائية الخاصة. وهنا بدأ الاقتصاد الفضائي الحقيقي في التشكل.
لماذا يتحدث المستثمرون عن اقتصاد الفضاء الآن؟
في عالم الاستثمار، لا يبحث رأس المال عن التكنولوجيا فحسب، بل يبحث عن الأسواق القادرة على النمو لعقود. ولهذا السبب بدأ مديرو الصناديق الاستثمارية الكبرى ينظرون إلى الفضاء بالطريقة نفسها التي نظروا بها إلى الإنترنت في التسعينيات، وإلى الهواتف الذكية في العقد الأول من الألفية، وإلى الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الأخيرة.
وتتزامن عدة عوامل تجعل هذا القطاع جذاباً للمستثمرين: انخفاض تكاليف الإطلاق، والتطور الكبير في الأقمار الصناعية الصغيرة، والطلب المتزايد على البيانات، وتصاعد الإنفاق الدفاعي عالمياً، إضافة إلى دور الذكاء الاصطناعي الذي يحتاج إلى تدفقات ضخمة من البيانات عالية الجودة.
فالأقمار الصناعية أصبحت مصدراً أساسياً للبيانات في مراقبة الأرض، وإدارة الكوارث، وتحليل المناخ، وتتبع سلاسل الإمداد. وكلما زادت حاجة الاقتصاد العالمي إلى بيانات دقيقة وفورية، زادت قيمة البنية التحتية الموجودة في المدار.
من الفضاء.. «ميتا» تراهن على حل جذري لأزمة طاقة الذكاء الاصطناعي
لماذا تدخل شركات الدفاع وشركات التكنولوجيا معاً؟
قد يبدو غريباً أن نجد شركات مثل «سبيس إكس» و«بلو أوريجن» و«روكيت لاب» إلى جانب شركات دفاع عريقة مثل «لوكهيد مارتن» و«نورثروب غرومان» و«بوينغ» و«إيرباص» داخل القطاع نفسه. لكن الحقيقة أن الفضاء أصبح نقطة التقاء بين الأمن القومي والاقتصاد الرقمي.
فالأنظمة العسكرية الحديثة تعتمد على الأقمار الصناعية في الاتصالات، وتحديد المواقع، والاستطلاع، والملاحة، والإنذار المبكر، وتوجيه الذخائر الدقيقة. وفي الوقت نفسه، تعتمد شركات التكنولوجيا على الفضاء لتوفير الإنترنت العالمي، والخدمات السحابية، والملاحة الرقمية، والخرائط، والبيانات الجغرافية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
أي إن الصاروخ نفسه قد يحمل في رحلة واحدة أقماراً تخدم جندياً في ساحة معركة، ومزارعاً يراقب محصوله، وبنكاً يتحقق من توقيت معاملاته، وسفينة تعبر المحيط، وطائرة تحلق فوق الأطلسي، وسيارة ذاتية القيادة في مدينة ذكية. لقد أصبح الفضاء بنية تحتية غير مرئية للاقتصاد العالمي.
هل نحن أمام اقتصاد ما بعد الإنترنت؟
عندما ظهر الإنترنت في بداياته، اعتقد كثيرون أنه وسيلة أسرع لتبادل المعلومات، لكنهم لم يتوقعوا أنه سيغير التجارة والإعلام والتعليم والمصارف والترفيه وسوق العمل. اليوم، يرى عدد متزايد من الاقتصاديين أن اقتصاد الفضاء قد يمر بالمرحلة نفسها.
فالفضاء لم يعد قطاعاً مستقلاً، بل منصة تمكّن قطاعات أخرى من النمو. إنه يوفر البيانات، والاتصال، والدقة، والسرعة، والقدرة على إدارة الأنشطة الاقتصادية على نطاق عالمي. ولهذا السبب لا ينظر المستثمرون إلى شركات الفضاء على أنها شركات تصنيع صواريخ فحسب، بل على أنها شركات تبني البنية التحتية للاقتصاد العالمي القادم.
وربما يكون هذا هو التغير الأكثر أهمية: فالاقتصاد الفضائي لا ينافس الاقتصاد الأرضي، بل يضيف إليه طبقة جديدة من القيمة والإنتاجية والابتكار.
في الجزء الثاني، سننتقل من التاريخ إلى الواقع العملي، ونجيب عن سؤال جوهري: ما هو اقتصاد الفضاء فعلياً؟ ومن هم اللاعبون الرئيسيون فيه؟ وكيف تعمل سلسلة القيمة التي تبدأ بالصاروخ ولا تنتهي إلا عند التطبيق الموجود في هاتفك الذكي؟
وسأشرح في الجزء الثاني بالتفصيل مكونات اقتصاد الفضاء، من مراحل التصنيع والإطلاق والبنية المدارية إلى الخدمات والتطبيقات على الأرض، مع أمثلة عملية على أكبر الشركات العالمية وكيف تحقق إيراداتها.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

