حكومة الزيدي.. موازنة واشنطن وطهران وتحدي استعادة الدولة من الداخل

أربيل (كوردستان24)- بعد مرور أكثر من شهر على نيلها ثقة البرلمان في 14 مايو (أيار) 2026، لا تزال حكومة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي تراوح مكانها في "مربع الانتظار". فمع بقاء نحو 10 حقائب وزارية شاغرة، من بينها وزارتا الدفاع والداخلية السياديتان، يبدو أن المشهد السياسي العراقي أبعد ما يكون عن الاستقرار التقليدي، بل هو انعكاس لأزمة عميقة في جوهر التوازنات التي أنتجت هذه الحكومة.

على الرغم من حيازة الزيدي للشرعية البرلمانية، إلا أن الواقع يشير إلى سيطرة منقوصة على الجهاز التنفيذي. ويرى مراقبون أن هذا البطء في استكمال التشكيلة الحكومية ليس مجرد تعثر في تقاسم الحصص بين الكتل، بل هو مؤشر على أن التسويات الشيعية-الشيعية التي أوصلت الزيدي للسلطة لم تترجم بعد إلى توازن حقيقي يمنحه "هامش المناورة" المطلوب لتنفيذ برنامجه الاقتصادي والأمني.

وتبرز الأسئلة الجوهرية اليوم في أروقة بغداد: هل سيكون الزيدي مجرد "مدير لتسوية" أبرمتها القوى المتنفذة؟ أم سيتحول إلى رافعة سياسية تستعيد جزءاً من قدرة الدولة على المبادرة؟

تتجه الأنظار إلى منتصف يوليو (تموز) المقبل، حيث من المقرر أن يزور الزيدي واشنطن في توقيت مفصلي. هذه الزيارة لا تُصنف كلقاء بروتوكولي، بل كـ "اختبار سيادة" وتقييم لقدرة رئيس الوزراء على تعزيز شرعيته الدولية بعيداً عن ضغوط القوى التي أوصلته للحكم، خاصة مع تغير أولويات الإدارة الأمريكية تجاه العراق.

يأتي هذا التحرك السياسي في ظل زلزال استراتيجي فجرته طهران بتعطيل الملاحة في مضيق هرمز، وفرض "حق السيطرة" كواقع قانوني جديد. ورغم الاتفاق المرحلي بين واشنطن وطهران الذي أدى لتهدئة مؤقتة، إلا أن الساحة العراقية مرشحة لتكون "ميدان التنافس البديل" بين القوتين.

وتشير التقارير إلى أن الانفراج النسبي الإقليمي قد يمنح حكومة الزيدي فرصة للإصلاح، لكنه في الوقت ذاته يفتح الباب أمام دول الخليج وتركيا والصين وروسيا لترسيخ مصالحها في العراق، مما يجعل بغداد حلقة وصل في صراع النفوذ الأوراسي.

يبدو أن إدارة الرئيس ترمب بدأت تتبنى مقاربة مختلفة، يقود ملامحها توم برّاك (السفير الأمريكي لدى تركيا والمقرب من ترمب). تقوم هذه الرؤية على أن تقليص نفوذ طهران يمر عبر "تقوية مؤسسات الدولة العراقية" تقنياً وآيديولوجياً، بدلاً من المواجهة العسكرية المباشرة التي أثبتت محدودية جدواها ضد الفصائل منذ عام 2020.

وفي هذا السياق، تبرز مشاريع إقليمية كبرى كجزء من هذه الاستراتيجية، منها:

تصفير الأزمات بين بغداد وأربيل: لتعزيز الموقع التفاوضي للحكومة الاتحادية.

التنسيق البراغماتي مع دمشق: لضبط الحدود المشتركة وتأمين المنطقة من الجماعات المسلحة.

إعادة إحياء خط "كركوك بانياس": لتوفير منفذ نفطي عراقي على المتوسط يقلل الاعتماد على الخليج وتركيا.

داخلياً، تواجه حكومة الزيدي إرثاً مالياً ثقيلاً خلفته حكومة محمد شياع السوداني. فالدولة العراقية، التي تعتمد كلياً على الريع النفطي، باتت "آلية توزيع" ضخمة لرواتب نحو 5 ملايين موظف وملايين المتقاعدين.

ومع تعثر الصادرات النفطية عبر ميناء جيهان التركي، أصبح تأمين الرواتب قضية أمن قومي؛ فأي اضطراب مالي قد يؤدي إلى انفجار اجتماعي يطيح بالنظام السياسي الهش.

التحدي الأكثر تعقيداً يكمن في "مأسسة" الفصائل المسلحة. فلم تعد هذه القوى مجرد أجنحة عسكرية، بل تحولت إلى امتدادات داخل البرلمان، والاقتصاد، والإعلام، والجهاز الإداري.

وتشير التقديرات إلى أن منظومة "الحشد الشعبي" وفصائل مثل (كتائب حزب الله والنجباء) تضم نحو 300 ألف عنصر، مما يجعل أي محاولة لنزع السلاح أو إعادة الهيكلة تصطدم بمصالح ملايين العراقيين المرتبطين معيشياً بهذه المنظومة.

يختتم التقرير بالإشارة إلى عامل "الزمن" كعنصر حسم؛ فبينما تفكر واشنطن بمدى زمني قصير (الانتخابات والولايات الرئاسية)، تتحرك طهران وحلفاؤها في العراق بنَفَس طويل، يراهن على امتصاص الضغوط والاستمرارية.

بين الرغبة الأمريكية في حصر السلاح بيد الدولة، والارتباطات الإقليمية والمصالح الاقتصادية المتجذرة للفصائل، يبقى علي الزيدي أمام المهمة المستحيلة: هل ينجح في بناء "دولة المصداقية" وسط رمال إقليمية متحركة؟ الإجابة قد تبدأ من نتائج رحلته المرتقبة إلى واشنطن.


هذا المحتوى مقدم من كوردستان 24

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من كوردستان 24

منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ 6 ساعات
عراق أوبزيرڤر منذ 6 ساعات
قناة الرابعة منذ 5 ساعات
قناة السومرية منذ 6 ساعات
قناة الرابعة منذ 20 ساعة
قناة السومرية منذ 15 ساعة
قناة الرابعة منذ 5 ساعات
قناة السومرية منذ 6 ساعات
قناة الرابعة منذ 6 ساعات