بقلم: القاضي المتقاعد حسن حسين جواد الحميري
«لكل امرئٍ من دهره ما تعوّدا».. هكذا يختصر المأثور طبائع البشر. لكن يبدو، وبكل أسى، أن مجتمعنا قد اعتاد على مدار تاريخه ثقافة الفرهود والاستباحة؛ فما إن يقع المال في متناول اليد عاماً كان أم خاصاً حتى تمتد إليه الأصابع بلا تردد، مدفوعةً بهزات اجتماعية واقتصادية تراكمت عبر العصور.
إن هذا الفرهود ليس وليد اليوم؛ فقد عرفته بلاد الرافدين القديمة في أزمنة السومريين والأكديين والآشوريين، وتجدد في تاريخنا المعاصر بـ فرهود العهد الملكي ضد طائفة بعينها، ليتجلى بأبشع صوره في عهد الحواسم إبان سقوط النظام البائد. آنذاك، اندفعت الجموع لنهب الدوائر، واستباحت فئات أخرى خزائن البنوك، غافلين تماماً عن وازع الحلال والحرام. يومها، التمسنا لهم عذراً زائفاً، وقلنا: لقد مسّ الناسَ الضُّرُّ من حصارٍ جائر صهر العظام، حتى باع المرء سقف داره ليطعم أطفاله .
ولكن، ما يبعث على الشديد من الألم، ويقوّض كل مبررات الأخلاق، أن الطبقة التي تسلمت مقاليد الحكم بعد عام 2003 لم تكن تعاني فاقة الجوع أو آفة الفقر! بل كان أغلبهم يعيش خارج البلاد في بحبوحة من العيش، مكفولين بإعانات دول اللجوء، بالتوازي مع حصصهم المتدفقة من مبيعات النفط العراقي.
فأي غريزةٍ عمياء، وأي نهمٍ وحشي هذا الذي يدفع المسؤول اليوم نحو تكديس تريليونات الدنانير، ومليارات الدولارات واليوروهات؟ ما الذي يبرر اكتناز مئات الكيلوغرامات من الذهب، وعشرات العقارات داخل البلاد وخارجها؟ بل كيف وصل الجشع ببعضهم إلى طمر حزم الأموال في الخنادق، وتحت جدران المزارع والأحراش، هرباً من عيون الرقيب؟!
إن هذه الأرقام الفلكية المستباحة من قوت الشعب العراقي وحقوق أجياله، تفوق حاجة هؤلاء السُرّاق بآلاف المرات. ومع ذلك، لم تفلح هذه الجبال من الأموال في ملء نفوسهم الجائعة، ولم تروِ غليلهم العطش دائماً إلى المزيد.
إننا أمام ظاهرة مرعبة: لقد تحولت سرقة المال العام إلى ثقافة مجتمعية مشوهة! أصبح النزيه الذي يعفّ عن الحرام وُيشار إليه بالبنان يُوصف بالجبن والضعف، في ارتداد خطير إلى أعراف ما قبل الدولة، يوم كان اللص مهاباً ومحترماً، ويُذمُّ من لا يمتهن اللصوصية!
أمام هذا الوضع الشاذ الذي يهدد كيان الدولة ومستقبل الأجيال، لم يعد الصمت مقبولاً. إننا نطالب بجرأة ووطنية بـ تشريع قانون يضع حداً أعلى للملكية الخاصة ؛ قانوناً صارماً يقضي بألا تتجاوز ثروة الفرد كحد أقصى عشرة مليارات دينار (أو ما تراه اللجان الاقتصادية المتخصصة كافياً للعيش الكريم). وما زاد عن هذا الحد، يُصادر فوراً لصالح الخزينة العامة، في عودة مؤقتة للملكية المشتركة.
إننا بحاجة إلى فترة تأهيل أخلاقية ليعتاد المجتمع من جديد على النمو الطبيعي للثروة، ولينعم الأفراد بالمال المكتسب بالجهد الحقيقي لا بالنهب. ومتى ما استقرت الضمائر، وعادت قيم النزاهة لتسود، يمكن حينها فتح الآفاق لامتلاك ثروات أوسع.
لقد أثبتت التجربة أن تخمة الشبع الحرام أفسدت القيم وفككت الأخلاق ، وحان الوقت لقطع دابر هذه التخمة بقوة القانون وعدالة الدولة.
هذا المحتوى مقدم من عراق أوبزيرڤر
