لم تكن السياسة فنَّ إدارة الحروب فحسب، وإنما لتكون فنَّ حفظ الأوطان وصيانة الإنسان. ولم تأتِ الشريعة لتجعل الصراع غاية، بل جاءت لتحفظ الدين، والنفس، والمال، والعقل، والعمران. ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل قادة الشرق الأوسط، اليوم، ليس: من انتصر في المواجهة الأخيرة؟ بل: كيف لا تتحول أوطاننا إلى الثمن الدائم لصراعات الآخرين؟ لقد انشغل العالم بتحليل المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل، وعدّ الصواريخ، ورصد الضربات، وقياس المكاسب العسكرية والسياسية لكل طرف. غير أن هذه القراءة، على أهميتها، تبقى قراءة ناقصة إذا أغفلت الحقيقة الأكثر تأثيرًا، وهي أن شعوب المنطقة، وفي مقدمتها شعوب الخليج، تتحمل النصيب الأكبر من كلفة هذا الصراع؛ أمنًا، واقتصادًا، وتنميةً، واستقرارًا.
إن توصيف هذا الصراع على أنه مواجهة عسكرية فقط، أو حرب إرادات فقط، لا يكفي لفهمه. فالواقع يشير إلى تداخلٍ بين التنافس الاستراتيجي، والردع العسكري، والضغوط الاقتصادية، والعمل الاستخباراتي، والوساطات، والتفاوض في بعض الملفات.
وهذا التداخل لا ينفي وجود خصومة حقيقية بين الأطراف، لكنه يبين أن العلاقات الدولية لا تُدار بمنطق العداء المطلق أو التحالف المطلق، وإنما بمنطق المصالح المتغيرة وموازين القوة.
غير أن السؤال الذي يغيب كثيرًا عن طاولات التحليل هو:
إذا كانت القوى الكبرى تسعى إلى حماية مصالحها، فمن يحمي مصالح الشرق الأوسط؟
لقد دفعت المنطقة خلال العقود الماضية أثمانًا باهظة؛ حروبًا، ونزوحًا، وتراجعًا في الاستثمار، وسباقًا في التسلح، وتهديدًا للممرات البحرية، واضطرابًا في أسواق الطاقة، فضلًا عن استنزاف الموارد التي كان الأولى أن تُوجَّه إلى التعليم، والبحث العلمي، والصحة، والتنمية، وبناء الإنسان.
وحين تتكرر هذه الكلفة جيلاً بعد جيل، يصبح السؤال عن الرابح في المعركة سؤالًا ثانويًا أمام سؤال أكبر:
من يحفظ مستقبل الأمة؟
وهنا تبرز السياسة الشرعية، لا بوصفها خطابًا وعظيًا، بل علمًا لإدارة الدولة وتحقيق المصالح العامة.
فقد قرر فقهاؤها أن الولاية شُرعت لحراسة الدين وسياسة الدنيا به، وأن تصرف ولي الأمر منوط بالمصلحة، وأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وأن النظر في مآلات الأفعال أصلٌ لا تستقيم السياسة من دونه.
فإذا كان أي مسار يؤدي إلى اتساع دائرة الخوف، واستنزاف الثروات، وتعطيل العمران، فإن السياسة الرشيدة تقتضي البحث عن البدائل التي تحفظ الأمة، لا التي تزيد من أعبائها.
ومن هذا المنظور، فإن أعظم تحدٍّ يواجه دول الخليج والعالم العربي ليس مجرد التعامل مع صراع قائم، بل بناء القدرة على ألا تكون أراضيها وشعوبها ميدانًا لتصفية الحسابات بين القوى المتنافسة.
وهذه ليست دعوة إلى الانعزال، ولا إلى التخلي عن التحالفات، وإنما دعوة إلى امتلاك قرار استراتيجي مستقل، يقوم على تنويع الشراكات، وتعزيز الأمن الجماعي، وتحصين الاقتصاد، والاستثمار في المعرفة، وتطوير.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة القبس
