الدين جزءٌ أصيلٌ من حياة الشعوب كلّها قديمها وحديثها، ولا يخلو شعبٌ من دين يتمسك به ويرجع إليه، والشعوب الإسلامية لا تخرج عن هذه السنة الكونية المرتبطة بالفطرة التي فطر الله الخلق عليها.
من الجدير بالذكر أن المسلمين لم يختلفوا في التنزيل، أي النص المنزل وهو القرآن الكريم، وكذلك إلى حدٍّ كبير في السُنة النبوية، ولكن العابثين في القديم والحديث أخرجوا التنزيل عن غايته ومقصده في إصلاح الإنسان والمجتمع، بتأويل هذا التنزيل حسب أهوائهم ومقاصدهم ومصالحهم، والناس لا يشكون في التنزيل، ولهذا لجؤوا إلى التأويل.
وقد وضع علماء الإسلام منذ القديم ضوابط للتأويل الصحيح الذي يُقبل، وللتأويل غير الصحيح الذي يُرد ويُرفض، وقد لجأت في عصرنا الحاضر جماعاتٌ وأحزابٌ، تحمل أسماء إسلامية إلى التأويل، الذي يتفق مع مصالحهم للتلبيس على الناس، وإخراجهم من سلامة الفطرة إلى الجنوح والانحراف، الذي ألقى بعض المسلمين في مهاوي الضياع، وقد وصل التأويل الخاص بهم إلى مراحل أصبح فيها مقدماً على النص والتنزيل، وكان ذلك نتيجة مراحل وتطورات داخل هذه الحزبيات والجماعات، وكانت أخطر مرحلة فيها: الغموض وعدم الوضوح في العقائد التي يلتزمونها أو ينطلقون منها، وعقائد المسلمين منذ مئات السنين قد أصبحت معروفة واضحة مدونة، تُدرّس في حلقات الدرس من الكتاتيب التي يلتحق بها الأطفال إلى أعلى درجات الدرس العلمي، وبين العامة والخاصة، ولكن طوائف عصرنا وحزبيات دهرنا هذا تعمّدوا الغموض في ذلك على أتباعهم وعلى المسلمين جميعاً حتى لا يحاكموا إليها أو يحاسبوا على أساسها، فلا تعرف على أي مذهب هم ولا أية نحلة ينتحلون.
وقد تجد في هذه الأحزاب والجماعات خليطاً من العقائد والأفكار الغريبة التي اقتبسوها من هنا وهناك، فهي عندهم سائغة مقبولة طالما أن الولاء لهم والمقاصد تجمعهم والغايات تربط بينهم.
ولكن هذا الغموض الذي يشبه الباطنية في بعض الجوانب، ولعلماء الإسلام من الباطنية موقف واضح، بلّبل أفكار بعض الأجيال، وجعل عقائدهم باهتة أو غامضة وقابلة لكل لون وصنف يجدُّ ويظهر في الحياة فيتماهون معه، ولا يعرفون حقه من باطله، وهذا قد أضعف الدين الحق في قلوبهم وجعل بعض الناس يرونه من خلال تأويلاتهم ومصالحهم، لقد أصبح عندهم الولاء للجماعة فوق كل شيء والوصول إلى الحكم وإقامة دولة هو القصد الذي يسعون إليه.
وغير خافٍ على أهل العلم أن قيام دولة خارجٌ عن إطار الاعتقاد كما بيَّن ذلك العلماء الذين كتبوا في العقائد منذ مئات السنين، وتبعهم الناس على ذلك، وحذروا من الانزلاق إلى التعصب لذلك، وتعدي الحق فيه، وأن مسألة الدولة وما يتعلق بها هي من الاجتهادات التي يجتهد فيها الناس بحسب عصورهم وأوطانهم.
ومن هذا فقد جعلوا الطائفة أو الحزب أو الجماعة المرجع في فهم الدين، وهذا لم يكن في تاريخ المسلمين إلا في هذا العصر الذي وجدوا فيه.. فقد أصبحت معرفة الدين في حياة الناس الذين تأثروا بهم سطحية بسيطة، وتسلَّط عليها عدد غير قليل ممن لم يفلحوا في تخصصاتهم، فوجدوا الدين أقرب طريق إلى الزعامة ودعوى الإمامة، وتخبط الناس من أقوالهم وشذوذاتهم وسببوا صراعاتٍ قد تكون أحياناً دامية، ولا أقل من أنها إذا انتشرت تشعل نار الحقد بين المسلمين، وتشغلهم ببعضهم وبقيل وقال، وهذا يمزق المسلمين ويشتت جمعهم، أو كما قال الله تعالى: ﴿ مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗاۖ كُلُّ حِزۡبِۭ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ﴾ [الروم: 32].
إنَّ الغموض في عقائدهم والمكيافيلية في سلوكهم قد جعلهم يتلونون بألوان شتى، بل إنهم ينقسمون أحياناً في وقت واحد إلى ألوان متعددة بحسب منافعهم وأهدافهم ويؤدون أدوراً مختلفة بحسب المكان الذي هم فيه كنوع من الباطنية والتقية.
وقد وصل الأمر بهم إلى نقض ما غزلوه بالأمس، وفقدوا المرجعية الدينية التي يزعمونها، وأصبح الأمر عندهم انتهازية بكل ما تعنيه الكلمة للوصول إلى المطامح الشخصية تحت ستار الدين، يأخذون بالحداثة حينما يرونها تخدم الأغراض تحت شعار مقاصد الشريعة، وربما جعلوها من صلب الدين، وكان ذلك جناية على الدين والمسلمين، لأن لكل واحد مقاصد وأهدافاً.
ولقد كان علماء الإسلام على الدوام يُعلمون الناس عقائدهم من معرفة الله وأسمائه وصفاته والنبوة ومهمتها والفرائض.. إلخ، ولا تزال والحمد لله فئة من أهل العلم قائمة بذلك ترى الدين فطرة سليمة، وسماحةً في التعامل، وتسامحاً مع الخلق، وتعايشاً مع البشر في إطار هذا الكون الذي أقامه الله على التنوع والتعدد.
ولكن الحزبيين أصبح تعليم الإسلام عندهم هو الانتخابات والبرلمانات والوزارات وجمع الأصوات. وكل ما أفرزته الديمقراطيات حين تحقق مآربهم، وأصبح الدين لا يذكر إلا قليلاً بسبب هذا التأويل الفاسد والعمل الكاسد، وإذا ذكر فحسب ما يتصورونه لا كما جاء من عند الله تعالى وفهمه المسلمون عبر التاريخ.
وقد نبَّه إلى هذا عدد من الذين عايشوا هؤلاء الحزبيين وعرفوهم، وفي هذا قال أحدهم: «أنا أعرف الناس بالإخوان لأني عاشرتهم داعياً عشرات السنين.. الأهم الآن عند الإخوان الاشتغال بالسياسة، وتلقف الأخبار السياسية واستنباط الأحكام من هذه الأخبار». وأصبحت المصالح السياسية والوصول إلى الغنائم المادية بارزة المعالم واضحة في التفكير والسلوك.
وهذا قد جرَّ الحزبيين وهذه الشيع إلى الترنح ذات اليمين وذات الشمال، يفعلون عكس ما كانوا ينادون به بالأمس، وإذا جاء وقت آخر انقلبوا له أخرى، وهذا لا يخفى على متأمل، فتارة هنا وتارة هناك، وليس لهم رأي واضحٌ في قضية حلّت بالمسلمين عامة أو بلادهم خاصة، بل تجدهم يتلونون ألواناً، شتى حسب مصالحهم ومنافعهم، وينتهزون الأحداث.
وإذا تعارضت المصالح بينهم، سلّوا السيوف، وشنّوا الحروب بينهم وأحياناً بين أبناء البلد الواحد، ولهذا فالانشقاقات تتوالى بينهم والاتهامات لا تتوقف ولكل واحدٍ تأويله الديني ودليله الذي ينفعه، فهم ينتقلون في حياتهم وأفكارهم من النقيض إلى النقيض في فترةٍ وجيزةٍ باسم المصالح والمقاصد، فمن.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الاتحاد الإماراتية
