ما يحدث اليوم في عدد من المحافظات الجنوبية ليس مجرد تأسيس لمجالس تنسيقية أو كيانات سياسية جديدة، بل يمثل تحولاً عميقاً في طبيعة العمل السياسي في الجنوب. وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، بدأت المحافظات تتجه إلى بناء أطر سياسية محلية تنطلق من داخلها، وتعبر عن إرادة أبنائها، بدلاً من انتظار أن يتحدث الآخرون باسمها.
لقد أثبتت التجربة السياسية خلال العقود الماضية أن الأحزاب اليمنية التقليدية، بمختلف توجهاتها، لم تستطع بناء نموذج سياسي عادل يحقق التوازن بين المحافظات. فبدلاً من أن تكون الأحزاب مؤسسات وطنية تستوعب الجميع، تحولت في كثير من الأحيان إلى أدوات تعكس نفوذ مراكز القوى، وأصبحت بعض المحافظات حاضرة بقوة في القرار السياسي، بينما بقيت محافظات أخرى على هامش المشهد، رغم امتلاكها ثقلاً سكانياً أو اقتصادياً أو جغرافياً لا يقل أهمية.
كما أن التجارب التي أعقبت عام 2015 أظهرت أن المشكلة لم تكن في الأحزاب وحدها، بل في فكرة احتكار التمثيل السياسي نفسها. فقد برزت قوى سياسية كبيرة، لكنها لم تستطع إقناع جميع المحافظات بأنها تمثلها بالقدر نفسه، لأن لكل محافظة أولوياتها، وقضاياها، وحساسياتها الاجتماعية، وخصوصيتها السياسية، وهي أمور لا يمكن اختزالها داخل مركز قرار واحد.
ومن هنا تبدو المجالس التنسيقية الجديدة وكأنها استجابة طبيعية لفراغ سياسي ظل يتسع عاماً بعد آخر. فهذا الفراغ لم يكن يعني غياب الأحزاب أو المكونات، وإنما غياب الكيان المحلي الذي يتحدث باسم المحافظة نفسها، ويدافع عن مصالحها، ويشارك في صياغة القرار من موقع الشريك لا التابع.
الفكرة التي تقوم عليها هذه المجالس تبدو مختلفة عن التجارب السابقة؛ فهي لا تنطلق من منطق السيطرة، وإنما من منطق التمثيل. فبدلاً من أن يكون هناك مركز سياسي واحد يتحدث باسم الجميع، يصبح لكل محافظة مجلسها السياسي الذي يعبر عنها، ويطرح رؤيتها، ويحمل مطالبها، ويتفاوض باسمها.
وهنا تكمن أهمية هذه التجربة؛ لأنها تنقل الجنوب من مرحلة الهيمنة إلى مرحلة التوازن.
فحين تمتلك حضرموت مجلسها، وتمتلك أبين مجلسها، وتمتلك عدن مجلسها، ثم تمتلك شبوة ولحج والمهرة والضالع وسقطرى مجالسها، فإن أي حوار سياسي مستقبلي لن يقوم على قاعدة الغالب والمغلوب، وإنما على قاعدة الشركاء المتساوين.
وبذلك تنتفي تدريجياً حالة سيطرة حزب واحد أو مكون واحد أو منطقة واحدة على القرار السياسي، لأن كل محافظة ستكون ممثلة بذات المستوى، وستدخل أي حوار وهي تمتلك شرعية محلية مستمدة من مجتمعها، لا من تفويض صادر من خارجها.
إن أحد أكبر الإخفاقات التي عرفها العمل السياسي اليمني خلال العقود الماضية كان اختزال المحافظات في أشخاص، أو في أحزاب، أو في مراكز نفوذ......
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة عدن الغد
