سلسلة: الهوية المستوردة الجزء الأول
سبعون طناً.
فقط!
في بلد إذا وُلد فيه طفل قالوا: هاتوا المنسف.
وإذا مات رجل، حضر المنسف.
وإذا تزوج شاب، تصدّر المنسف المائدة.
وإذا وقع خلاف، لا يُحسم إلا على سدر المنسف.
سبعون طناً.
هذا كل ما ينتجه الأردن من الجميد.
بينما يحتاج إلى ألفين وخمسمائة طن.
لحظة!
لحظة واحدة فقط.
يا للعجب من خط أحمر يستورد لونه من الخارج.
يشبه الأمر عرساً أردنياً مكتمل الزغاريد.
الخيل وصلت.
والسيوف حضرت.
والشماغ الأحمر يملأ المكان.
والدبكة تهز الأرض.
ثم يهمس أحدهم في أذنك:
العريس مستعار.
الكل يصفق.
الكل يرقص.
الكل يصور فيديو لصفحته الشخصية ويكتب تحته: عرس أردني أصيل.
بينما العريس، في غرفة الانتظار، يراجع جواز سفره خوفاً أن ينساه عند الباب.
المنسف في الأردن ليس وجبة.
هو لغة اجتماعية كاملة.
تُعقد به المصالحات.
ويُستقبل به الضيف.
ويُعلَن به الفرح.
وحتى بعد أن يُدفن الميت، يبقى المنسف حاضراً على سدر العزاء، كأن أهله يطمئنون الحضور أن الواجب ما زال محفوظاً.
وقفت الدكتورة رنا عبيدات أمام لجنة الزراعة النيابية، وقالت الأرقام بهدوء لا يشبه وقعها:
سبعون طناً إنتاجاً.
ألفان وخمسمائة طن حاجة.
عجز يبلغ ألفاً وتسعمائة وثلاثين طناً.
قالتها كما يُقرأ تقرير عن إنتاج الإسمنت.
بلا رجفة في الصوت.
كأن الجميد سلعة كأي سلعة، لا قلب أمة يُعلَن نقصه أمام الملأ.
ثم عاد كل شيء إلى هدوئه، كمن يخبرك أن القلب توقف، ثم يسألك إن كنت تريد قهوة.
وجاء الحل كالعادة: الاستيراد!
أسهل كلمة في القاموس الحكومي، حلّت محل التخطيط، ومحل عشرين سنة من الكلام عن دعم الثروة الحيوانية، الذي يتكرر في كل خطة خمسية ثم يختفي بمجرد توقيع آخر صفحة في التقرير. ولم تعد المشكلة في الاستيراد نفسه، فالأمم تتبادل القمح والدواء ولا ينتقص ذلك من شأنها، لكن حين يصبح الرمز نفسه.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من خبرني
