في قلب واحدة من أكثر المناطق البحرية حيوية في العالم، تقف اليمن أمام تحديات وفرص متشابكة تجعل من قطاعها البحري محوراً مهماً في معادلة الاقتصاد والأمن والملاحة الدولية. فالموقع الجغرافي الذي تتمتع به البلاد، وإطلالتها على ممرات بحرية استراتيجية، يمنحانها أهمية استثنائية في حركة التجارة العالمية، لكنه في المقابل يضع القطاع البحري أمام مسؤوليات كبيرة تتطلب تطويراً مستمراً للقدرات والإمكانات.
وخلال السنوات الماضية، واجه القطاع البحري اليمني ظروفاً معقدة أثرت على بيئة العمل الملاحي، بدءاً من ارتفاع المخاطر التأمينية وتكاليف النقل، مروراً بالحاجة إلى تحديث البنية التشريعية والفنية، وصولاً إلى ضرورة تعزيز منظومة السلامة البحرية وحماية البيئة ومواكبة المتطلبات الدولية.
ورغم صعوبة المرحلة، تواصل الهيئة العامة للشؤون البحرية جهودها للحفاظ على استمرارية الخدمات البحرية، ورفع مستوى الامتثال للاتفاقيات الدولية، وتعزيز الرقابة على السفن، وتطوير آليات الاستجابة للطوارئ والتلوث البحري، مستندة إلى شراكات وطنية ودولية تهدف إلى بناء قطاع بحري أكثر كفاءة واستدامة.
وفي هذا الحوار، يتحدث الرئيس التنفيذي للهيئة العامة للشؤون البحرية الأستاذ فهيم سيف عن واقع القطاع البحري في اليمن، وأبرز التحديات التي تواجهه، وأولويات الهيئة في حماية البيئة البحرية، وآليات الرقابة على السفن، ومستوى التعاون مع المنظمة البحرية الدولية والشركاء الإقليميين والدوليين، إضافة إلى رؤيته لمستقبل القطاع ودوره في دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز مكانة اليمن البحرية إقليميًا ودوليًا.
سؤال:بدايةً أستاذ فهيم، بصفتكم الرئيس التنفيذي للهيئة العامة للشؤون البحرية، كيف تقيّمون واقع القطاع البحري في اليمن في ظل التحديات التي يواجهها؟
يمثل القطاع البحري في الجمهورية اليمنية أحد أهم القطاعات الاستراتيجية للاقتصاد الوطني بحكم موقع اليمن الإستراتيجي على أهم الممرات البحرية الدولية، إلا أنه يواجه في المرحلة الراهنة تحديات استثنائية فرضتها الظروف الأمنية والإقليمية خلال السنوات الأخيرة، والتي أثرت بصورة مباشرة على حركة النقل البحري والتجارة الدولية.
ومن أبرز هذه التحديات استمرار إدراج أجزاء من المياه المحيطة بالجمهورية اليمنية ضمن قائمة المناطق ذات المخاطر المرتفعة (Listed Areas) الصادرة عن لجنة الحرب المشتركة (Joint War Committee JWC)، والتي تعتمد عليها أسواق التأمين البحري العالمية في تقييم مخاطر الملاحة. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب، وزيادة تكاليف النقل البحري، وانعكس بصورة مباشرة على حركة التجارة البحرية، وتكاليف الواردات، وأسعار السلع الأساسية في السوق المحلية.
كما أن هذا التصنيف يفرض على العديد من شركات الملاحة اتخاذ إجراءات تشغيلية وتأمينية إضافية قبل التوجه إلى الموانئ اليمنية، وهو ما يؤثر على تنافسية الموانئ اليمنية مقارنة بموانئ المنطقة.إلى جانب ذلك، يواجه القطاع تحديات مرتبطة بالحاجة إلى تحديث التشريعات البحرية، وتعزيز القدرات المؤسسية والفنية، وتطوير البنية التحتية والخدمات البحرية، بما يواكب التطورات المستمرة في الاتفاقيات والمعايير الدولية الصادرة عن المنظمة البحرية الدولية (IMO). كما أن المحافظة على استمرارية الخدمات البحرية في ظل هذه الظروف تتطلب جهوداً كبيرة وتنسيقاً وثيقاً بين مختلف الجهات الحكومية ذات العلاقة.
ورغم هذه التحديات، فقد أظهرت الموانئ والمؤسسات البحرية في المناطق الخاضعة لسلطة الحكومة قدرة على الاستمرار في تقديم خدماتها، والمحافظة على انسيابية حركة التجارة البحرية وفق الإمكانات المتاحة، مع مواصلة العمل على تعزيز إجراءات السلامة البحرية، وحماية البيئة البحرية، ورفع مستوى الامتثال للاتفاقيات البحرية الدولية.
ومن منظورنا، فإن القطاع البحري اليمني يعيش اليوم مرحلة يمكن وصفها بمرحلة "الصمود والتطوير في آنٍ واحد". فاليمن يمتلك موقعاً جغرافياً متميزاً وإمكانات بحرية كبيرة، إلا أن الاستفادة الكاملة من هذه المقومات ترتبط بتحسن البيئة الأمنية، واستعادة ثقة شركات الملاحة وأسواق التأمين الدولية، إلى جانب تنفيذ برامج وطنية لتحديث التشريعات، وتطوير البنية المؤسسية، وتعزيز الرقابة البحرية، ورفع كفاءة الموانئ والخدمات البحرية.
ونحن على ثقة بأن تجاوز هذه التحديات يتطلب عملاً مؤسسياً متكاملاً، وشراكة فعالة مع مختلف الجهات الوطنية والدولية، بما يسهم في إعادة بناء قطاع بحري حديث وآمن وقادر على دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز مكانة اليمن البحرية على المستويين الإقليمي والدولي.
-ما أبرز أولويات الهيئة العامة للشؤون البحرية في المرحلة الحالية فيما يتعلق بالتلوث البحري؟
تمثل حماية البيئة البحرية إحدى الأولويات الاستراتيجية للهيئة العامة للشؤون البحرية، انطلاقاً من مسؤوليتها الوطنية في حماية البيئة البحرية والمحافظة على الموارد البحرية، وتنفيذاً لالتزامات الجمهورية اليمنية بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS) لعام 1982، والتي تلزم الدول بحماية البيئة البحرية والمحافظة عليها ومنع التلوث البحري والحد منه والسيطرة عليه، إلى جانب التزام الهيئة بتطبيق التشريعات الوطنية ذات الصلة وتعزيز الاستفادة من المعايير وأفضل الممارسات الدولية الصادرة عن المنظمة البحرية الدولية (IMO).
وفي المرحلة الحالية، تركز الهيئة على عدد من الأولويات الاستراتيجية، من أبرزها:أولاً: تعزيز الجاهزية الوطنية للاستجابة لحوادث التلوث البحري من خلال تطوير الخطط الوطنية للطوارئ، ورفع مستوى الجاهزية للتعامل مع الانسكابات النفطية وحوادث السفن، والحد من آثارها على البيئة البحرية والسواحل اليمنية.ثانياً: تعزيز الرقابة البحرية وتطبيق التشريعات الوطنية عبر تكثيف عمليات التفتيش على السفن والمنشآت البحرية، والتحقيق في حوادث التلوث، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين وفقاً للقوانين النافذة ثالثاً:تعزيز التنسيق الوطني مع خفر السواحل، وسلطات الموانئ، والجهات البيئية، والجهات الحكومية ذات العلاقة، لضمان سرعة الاستجابة والتعامل الفعال مع أي حادث تلوث بحري.رابعاً:بناء القدرات الوطنية والتعاون الدولي من خلال تدريب وتأهيل الكوادر الفنية، والاستفادة من برامج الدعم الفني وبناء القدرات التي تقدمها المنظمة البحرية الدولية (IMO) والشركاء الدوليون.خامساً:تطوير التشريعات والسياسات الوطنية بما يعزز حماية البيئة البحرية، ويرفع كفاءة الإدارة البحرية، ويمكنها من مواكبة التطورات والمتطلبات الدولية في مجال حماية البيئة البحرية.
وتدرك الهيئة العامة للشؤون البحرية بأن حماية البيئة البحرية مسؤولية وطنية مشتركة، تتطلب تكاتف جميع الجهات المعنية، حفاظاً على الثروات البحرية والسواحل اليمنية، وضمان استدامة الموارد البحرية للأجيال القادمة.
-ما طبيعة التنسيق القائم بين الهيئة والجهات الدولية والمحلية في مواجهة مخاطر التلوث البحري والاستجابة للحوادث البيئية؟
إن مواجهة مخاطر التلوث البحري والاستجابة للحوادث البيئية تتطلب عملاً مؤسسياً متكاملاً، لأن هذا النوع من الحوادث يتجاوز اختصاص أي جهة بمفردها. ومن هذا المنطلق، تعمل الهيئة العامة للشؤون البحرية ضمن منظومة وطنية للتنسيق والتعاون مع مختلف الجهات الحكومية ذات العلاقة لضمان سرعة الاستجابة وتقليل الآثار البيئية والاقتصادية لأي حادث بحري.فعلى المستوى الوطني، تنسق الهيئة بصورة مستمرة مع وزارة النقل، وسلطات الموانئ، وخفر السواحل، والجهات المختصة بحماية البيئة، والسلطات المحلية، والجهات الأمنية، من خلال تبادل المعلومات، وتقييم المخاطر، وتنسيق إجراءات الاستجابة للطوارئ، بما يضمن تنفيذ الأدوار والمسؤوليات بصورة متكاملة وفق الخطط الوطنية المعتمدة.أما على المستوى الدولي، فتحرص الهيئة على تعزيز التعاون مع المنظمة البحرية الدولية (IMO)، والمنظمات الإقليمية والدولية، للاستفادة من برامج الدعم الفني، وبناء القدرات، وتبادل الخبرات، وتطوير الكفاءات الوطنية في مجالات حماية البيئة البحرية، والاستجابة لحوادث التلوث، وإدارة المخاطر البحرية، بما يتوافق مع أفضل الممارسات الدولية.كما تؤمن الهيئة بأن بناء شراكات فعالة مع الشركاء الدوليين يمثل عنصراً أساسياً لتعزيز قدرات اليمن في مجال حماية البيئة البحرية، خاصة في ظل التحديات الراهنة التي تواجه المنطقة، الأمر الذي يتطلب استمرار التعاون الفني وتبادل المعلومات والخبرات، وتعزيز الجاهزية الوطنية للاستجابة لأي طارئ قد يهدد البيئة البحرية أو سلامة الملاحة.
إن حماية البيئة البحرية لم تعد مسؤولية وطنية فحسب، بل أصبحت مسؤولية دولية مشتركة، وهو ما أكدته اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)، المادة 197 (Article 197) التعاون العالمي والإقليمي التي تنص على التزام جميع الدول بحماية البيئة البحرية والمحافظة عليها، كما تؤكد على أهمية التعاون الدولي والإقليمي في مواجهة التلوث البحري والاستجابة للحوادث البيئية.ومن هذا المنطلق، تحرص الهيئة العامة للشؤون البحرية على تعزيز التعاون مع الجهات الوطنية والمنظمة البحرية الدولية (IMO) والشركاء الدوليين، بما يسهم في رفع الجاهزية الوطنية وحماية البيئة البحرية وفقاً لأحكام القانون البحري الدولي.
-كيف يتم تنظيم عمليات التفتيش البحري على السفن الأجنبية في الموانئ اليمنية،وما مدى التزامها بالمعايير الدولية؟
تنظم الهيئة العامة للشؤون البحرية عمليات التفتيش على السفن الأجنبية في الموانئ اليمنية وفقاً للتشريعات الوطنية والاتفاقيات البحرية الدولية التي انضمت إليها الجمهورية اليمنية، وبما يتوافق مع نظام رقابة دولة الميناء (Port State Control) ومذكرة تفاهم المحيط الهندي (Indian Ocean Memorandum of Understanding IOMOU)، والتي تهدف إلى منع تشغيل السفن دون المستوى المطلوب وتعزيز سلامة الملاحة البحرية.
وتتم عمليات التفتيش من خلال مفتشي رقابة دولة الميناء المؤهلين، وفق إجراءات فنية معتمدة تبدأ بتحديد السفن المستهدفة للتفتيش استناداً إلى نظام.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة عدن الغد
