جدلية الذات القلقة في رواية أحزان وحيد القرن

د. إيمان قاسمية

   ماذا يفعل الإنسيّ حين يجد أن العالم لا يغدو جديرًا بأن تُفتح له الأبواب، ولا يستحق أن تُغادر الذات عزلتها من أجله، وأن الأصدقاء لا يستحقون الثقة، وأن الكمال وهم، والمعرفة ركود؟ ما رأيك بحبل النجاه الذي يمده لك وحيد القرن أليس الخيال أخصب من المعرفة؟ أليس مجرد تسمية المختلف مختلفًا، يحيلنا إلى دائرة الشبهة من خلال ثقافة أحادية، صراطية،غالبا؟

   أن تسأل يعني أنك حي تُرزق، السؤال أصل التشكّل، ولحظة ولادة المعنى، حين يسأل الإنسان، فهو يكسر السكينة، فيتحول السؤال إلى ألم وهذا ما أوعز إليه برهومة، فهو يضع الذات في قلق وجودي لازب، ولعل اتساع المعرفة بالسؤال، تقلص مساحة الطمأنينة، يُعلن النص الروائي أنه لن يُجيب، لأن الإجابة خيانة للسؤال، فقد آثر أن يترك الخيال للقارئ إيمانًا بأن الخيال أجدى من اليقين.

       تفتتح الرواية قِبلتها بحلم، يعني أنها تسرّب لنا عالمًا قبل أن تُفرض عليه قواعد اليقظة، فالحلم عند سيغموند فرويد هي المنطقة التي تتراجع فيها الرقابة الواعية فتنبثق الرغبات المكبوتة والمخاوف الدفينة، وهو ما ينسجم مع مفهوم التفرد Individuationعند كارل يونغ، فهي رحلة للذات الباحثة عن فرديتها وتوحيد شظاياها المتناثرة.

   إلى أن يقف الشرطي على عتبة الحلم - ذلك الذي لن يُفسَّر حضوره ولن يُعرف سببه حتى آخر صفحة- رمز السلطة الخارجية التي لا تتركك حتى في السراديب الخفية لذاتك، هو المجتمع يطرق باب وعيك، و الآخر الذي لا يكفّ عن المراقبة، فيتلاحم الحلم مع سؤال الهوية، يلوّح برهومة إلى أن الحدود بين النائم واليقظان، بين الداخل والخارج، بين الذات والعالم، حدود مُتخيَّلة بكل ما تحمله من عزلة وتناقض ولاجدوى.

    ما يفعله هذا النص هو استجواب للوجود يُعاين في قالب سردي، ومحاكمة للإنسان في غياب المحكمة، ونداء للعزلة وسط صخب العالم.

   وإذا ما قرأنا العزلة عند برهومة أمكن القول، إنها ضرورة وجودية لا مناص من اجتيازها استردادا للذات من يد العالم، إذ إن وحيد القرن الذي يعاني من اللاجدوى السيزيفية اختار أن ينأى بنفسه عن العالمين رأفة بها، فهي عزلة اختيارية، تغدو له مأوى لروحه، غير أنها تصبح أيضًا، المرآة التي يتكثف فيها ألمه، فتتشكل ذاته على إيقاع هذا التناقض، فهي ذات متفردة تعيش تناقضا مأساويا فكاتبٌ يُعلن العزلة وينشر ما كتب، يرفض الآخر ويكتب له، يستلهم سارتر «الآخر هو الجحيم» لكنه لا يسير بجانبه؛ لأن البطل يكتب والكتابة موجَّهة لآخر، يستدعي سقراط بمقولته السائرة «اعرف نفسك»، ثم يُظهر أن سقراط نفسه لم يعرف نفسه، وأن معرفة الذات هي منبع للقلق.

   كما يدعو برهومة إلى التماس العدو بوصفه يهيّج، إنه يرمي حجارة متواصلة صغيرة وكبيرة في مستنقع العادة والألفة والملل والأهم في مستنقع الانقسام، فهو قوة توقظ الوعي من سكونه ولما تخلقه من توتر محفّز، فالعدو يعني أنك موجود، أنك تمثل شيئًا، في جدلية هيغل الذات لا تعرف نفسها إلا بالمواجهة مع الآخر، هذه التناقضات هي الإنسان نفسه، كما رآه هيراقليطس منذ فجر الفلسفة كائنٌ تسكنه الأضداد وتُحرّكه، ولو توقف التوتر بينها لتوقف معه كل شيء.

    من أبرز الحيل السردية التي يتبعها برهومة في الرواية أنه لم يُفصح عن اسم الشخصية وحيد القرن منذ البداية، بل أرجأه لصفحات لاحقة، هذا التأخير ليس اعتباطيًا، هو غُرّة موقفه الفلسفي في النص، فالاسم هو أول ما يربطنا بالمجتمع، وأول ما يصنّفنا، يتقاطع مع الفكر الوجودي السارتري الذي يرى أن الإنسان يسبق تعريفه وجودُه، فالشخصية تتشكّل تدريجيًا من قلقها وسأمها وعزلتها قبل أن تُمنح اسمها.

  يُشبه هذا، ما فعله المخرج ديفيد فينشر في Fight Club 1999؛ غاب الاسم عن البطل طوال الفيلم، كون الاسم يعني الامتثال للنظام، برهومة يفعل الشيء ذاته فهو يحرك المياه الراكده في السرد بكسر أفق التوقع وزعزعة استقراه.

تجلّى أحزان وحيد القرن عن تجربة سردية متمردة تتجاوز الحدود الأجناسية التقليدية، إذ لا يسير النص وفق منطق التتابع الحكائي، وإنما وفق منطق التداعي النفسي والشظايا الفكرية، الأمر الذي يجعل بنية النص أقرب إلى الوعي المتشظي منها إلى البناء الروائي الكلاسيكي، بيد أن النص ينجح في تشييد أفق فلسفي خصب، الأمر الذي يخفف من التوتر الدرامي الذي تتطلبه الرواية، حيث تتراجع الحبكة لصالح التأمل الوجودي،.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الدستور الأردنية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الدستور الأردنية

منذ 9 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 11 ساعة
خبرني منذ 20 ساعة
وكالة عمون الإخبارية منذ 21 ساعة
موقع الوكيل الإخباري منذ 19 ساعة
قناة رؤيا منذ 12 ساعة
خبرني منذ 14 ساعة
خبرني منذ 19 ساعة
خبرني منذ 11 ساعة
خبرني منذ 21 ساعة