كيف تؤمّن الإمارات سلاسل الإمداد بعيداً عن هرمز؟

تسارع دولة الإمارات تنفيذ خططها لتنويع مسارات التجارة وسلاسل الإمداد بعيداً عن الاعتماد الكامل على «مضيق هرمز»، في خطوة تستهدف تعزيز مرونة حركة التجارة، وحماية تدفقات السلع والطاقة في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية في المنطقة.

يأتي هذا التوجه بعد أن كشفت الحرب الأميركية الإيرانية عن حجم المخاطر التي يمكن أن تواجه حركة التجارة الإقليمية، ما دفع الإمارات إلى تسريع تنفيذ مشاريع البنية التحتية البديلة ضمن رؤية تقوم على ما تصفه بـ«مرحلة صفر هرمز»، والتي تضمن استمرار تدفق السلع والبضائع سواء بقي المضيق مفتوحاً أم تعرّض لأي اضطرابات مستقبلية، وفقاً لموقع AGBI.

الإمارات والأردن يوقعان اتفاقيات بدء مشروع سكة حديد ميناء العقبة

استثمارات الإمارات في البنية التحتية والموانئ البديلة

تشمل هذه الإستراتيجية تطوير خطوط جديدة ومحدثة لنقل النفط، وتوسيع شبكات الطرق والسكك الحديدية، إلى جانب تعزيز قدرات مينائي «الفجيرة» و«خورفكان» المطلين على خليج عُمان، بما يوفر منافذ بحرية لا تعتمد على المرور عبر «مضيق هرمز».

ورغم هذه الخطط، يرى محللون أن الموانئ الواقعة داخل الخليج، وعلى رأسها «ميناء جبل علي» و«ميناء خليفة»، ستبقى تشكل العمود الفقري لحركة التجارة الإماراتية، مع استمرار اعتمادها على حجم عملياتها الضخم وتوسيع دورها كمراكز متكاملة لسلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية.

وفي هذا السياق، قال نيشال سوريدو، المدير المشارك في شركة «أوشن شيبينغ كونسلتنتس» (Ocean Shipping Consultants)، التابعة لشركة «هاسكونينغ» (Haskoning) الهولندية، إن أكبر الموانئ الإماراتية لا تحتاج إلى إعادة هيكلة جذرية، لأن ميزتها التنافسية لم تعد ترتبط بموقعها الجغرافي فقط، بل بمنظومة متكاملة تضم المناطق الحرة، والصناعات التحويلية، والمستودعات، ومراكز التوزيع، والخدمات اللوجستية ذات القيمة المضافة.

الطاقة التشغيلية لميناء جبل علي وميناء خليفة

تعكس الأرقام حجم الثقل الذي تمثله الموانئ الإماراتية في التجارة العالمية. فقد تعامل «ميناء جبل علي» مع ما يعادل 15.5 مليون «حاوية نمطية» (TEU) خلال العام 2024، ليصبح تاسع أكبر ميناء للحاويات في العالم، وفق بيانات «المجلس العالمي للشحن» (World Shipping Council).

في المقابل، مجموعة «موانئ أبوظبي» (AD Ports) تمتلك وتدير عشرة موانئ في الدولة، من بينها «ميناء خليفة»، الذي سجل تداول نحو 5.5 مليون «حاوية نمطية» خلال العام 2024.

وتؤكد هذه الأرقام صعوبة تعويض الطاقة التشغيلية للموانئ الرئيسة، إذ تبلغ الطاقة السنوية لـ«ميناء خورفكان» 5 ملايين «حاوية نمطية»، بينما لم تتجاوز أعلى أحجام المناولة فيه 3 ملايين حاوية.

وأشار فريد بلبواب، الرئيس التنفيذي لشركة «غلفتينر» (Gulftainer)، إلى أن «ميناء خورفكان» كان يناول نحو 8 آلاف حاوية أسبوعياً قبل الأزمة، قبل أن يقفز هذا الرقم إلى نحو 65 ألف حاوية أسبوعياً مع تحول جزء من حركة التجارة إليه. أما «ميناء الفجيرة» فتتجاوز طاقته التشغيلية 720 ألف حاوية نمطية سنوياً.

سفينة حاويات في مضيق هرمز قبالة بندر عباس جنوبي إيران، 2 مايو 2026

تنافس إقليمي على حركة إعادة الشحن البحري

في المقابل، تراقب موانئ في المنطقة التطورات الحالية سعياً إلى جذب جزء من حركة التجارة التي قد تتحول بعيداً عن الخليج.

وتبلغ الطاقة الاستيعابية المشتركة لموانئ «الدقم» و«صحار» و«صلالة» في سلطنة عُمان نحو 7 ملايين حاوية نمطية، وفقاً لآفاق حسين، مدير «مكتب أبحاث الصناعة والأساسيات الاقتصادية» (Bureau of Research on Industry and Economic Fundamentals) في الهند.

ويرى حسين أن هذه الطاقات لا تزال أقل بكثير من قدرات الموانئ الإماراتية، مؤكداً أن الحديث عن «صفر هرمز» لا يعني استبدال «ميناء جبل علي» أو غيره من الموانئ الرئيسية، بل يهدف إلى طمأنة الأسواق العالمية بأن الإمارات تمتلك بدائل إستراتيجية طويلة الأجل تضمن استمرار حركة التجارة.

وأضاف أن موانئ مثل «كولومبو» في سريلانكا، و«فيزينجام» (Vizhinjam) في جنوب الهند، تتابع التطورات الحالية عن كثب أملاً في اقتناص حصة أكبر من تجارة إعادة الشحن إذا استمرت الاضطرابات في المنطقة.

أثر التوترات الجيوسياسية على حركة الشحن في الخليج

أظهرت الحرب الأخيرة التأثير المباشر للتوترات الإقليمية على حركة التجارة. فبحسب تقرير نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، تراجع عدد الحاويات التي كانت تمر، يومياً، عبر «ميناء جبل علي» من نحو 40 ألف حاوية إلى 1000 حاوية فقط خلال ذروة الأزمة.

ورغم استئناف جزء من حركة العبور بعد دخول اتفاق التهدئة المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران حيز التنفيذ الشهر الماضي، فإن بيانات منصة «كلبر» (Kpler) تشير إلى أن مستويات العبور لم تتجاوز نحو ثلث معدلاتها المسجلة قبل اندلاع الحرب.

كما ساهمت المخاوف من تعثر مفاوضات السلام، إلى جانب تجدد أعمال العنف والتصريحات الأخيرة للرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن انتهاء وقف إطلاق النار، في استمرار حالة الحذر لدى شركات الشحن العالمية.

«موانئ أبوظبي» تطلق شبكة لوجستية برية لتعزيز سلاسل الإمداد الصناعية

تطوير شبكات النقل البري والسكك الحديدية لتعزيز التجارة

دعا حسين شركتي «دي بي ورلد» (DP World) و«موانئ أبوظبي» إلى تسريع تطوير شبكات النقل البري والسكك الحديدية التي تربط الموانئ الخليجية بموانئ البحر الأحمر وشبه الجزيرة العربية، إلى جانب تعزيز البنية التحتية في مينائي «الفجيرة» و«خورفكان»، بما يبعث برسالة واضحة إلى شركات الطاقة والشحن بأن بدائل تشغيلية فعالة أصبحت متاحة.

وأوضح أن هذه المشاريع ستسهم في استعادة ثقة الأسواق، مع بقاء «جبل علي» و«خليفة» الخيارين الرئيسين لمعظم شركات الشحن.

وأشار إلى أن النقل البحري سيبقى الوسيلة الأكثر كفاءة من الناحية الاقتصادية، إذ تستطيع سفينة واحدة نقل أكثر من 10 آلاف حاوية، وهو ما يعادل حمولة نحو 10 آلاف شاحنة أو 100 قطار.

المزايا التنافسية للمناطق الحرة والموانئ الخليجية

يرى محللون أن صادرات الطاقة ستبقى تعتمد بصورة أساسية على النقل البحري، إذ لن تتمكن حتى خطوط الأنابيب الموسعة من منافسة ناقلات النفط في المستقبل المنظور، فيما لا يمكن نقل الغاز الطبيعي المسال عبر خطوط الأنابيب.

كما توقع سوريدو أن تشهد الموانئ الخليجية انخفاضاً محدوداً في عدد الحاويات المتداولة يومياً خلال فترات التوتر، إلا أن الأنشطة الصناعية والمناطق الحرة والخدمات اللوجستية ستواصل تعويض جزء كبير من هذا التراجع.

وأضاف أن مينائي «جبل علي» و«خليفة» استثمرا على مدى سنوات في بناء منظومة متكاملة تضم المناطق الحرة، وشبكات الطرق والسكك الحديدية، ومراكز التوزيع، وسلاسل الإمداد، وهو ما يمنحهما أفضلية تنافسية يصعب على الموانئ الإقليمية الأخرى مجاراتها.

وتعزز هذه المؤشرات الأداء الاقتصادي للمناطق الحرة الإماراتية، إذ سجلت «المنطقة الحرة لجبل علي» (JAFZA) تجارة بقيمة 190 مليار دولار خلال الفترة الممتدة من مايو 2024 إلى مايو 2025، بزيادة سنوية بلغت 15%، في أعلى مساهمة لها في اقتصاد دبي.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ دقيقة
منذ ساعتين
منذ 5 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ ساعة
منذ ساعتين
صحيفة الاقتصادية منذ 14 ساعة
الشرق بلومبرغ منذ 9 ساعات
الشرق بلومبرغ منذ 17 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 16 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 8 ساعات
الشرق بلومبرغ منذ 12 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 22 ساعة
الشرق بلومبرغ منذ 13 ساعة