سياسة الرياض في الجنوب: بين مطرقة الاحتواء وسندان التدويل

في خِضَمِّ التحولات الجيوسياسية التي تعصف بالجنوب العربي، وفي ظل صمت دولي مطبق يلفه ضباب المصالح وضجيج المواقف الملتبسة، تبرُز سياسة الرياض في الجنوب العربي كواحدة من أعقد المعضلات الاستراتيجية التي واجهتها المنطقة في تاريخها المعاصر؛ إنها سياسة لا تُختزَل في الشعارات الدبلوماسية البرّاقة التي تُسوَّق في أروقة العواصم الأوروبية، ولا يمكن فهمها بمعزل عن هندسة معقدة وممنهجة تقوم على ثنائية "العصا والجزرة" التي يكشف النقاب عنها تقرير "استراتيجية السعودية في اليمن: عصا للجنوبيين وجزرة لأوروبا" المنشور في مجلة مودرن دبلوماسي، والذي وإن انطلق من منظور حقوقي قانوني أوروبي صارم، إلا أنه يقدم - برغم تحفظاته الضمنية على المشروع الجنوبي - شهادة دامغة تُثبت للعالم ما ظل الجنوبيون يصرخون به في وادٍ موحش من التعتيم والتجاهل: أن ثمة مؤامرة كبرى تُحاك ضد إرادتهم، وأن ثمة مشروعًا استعماريًّا جديدًا يُطبخ على نار هادئة في مطابخ القرار السعودي، يُراد منه طمس الهوية السياسية للجنوب وإفراغ قضيته من مضمونها التحرري، وتحويلها إلى مجرد ورقة تفاوضية في لعبة أمم كبرى لا تعترف بحق الشعوب في تقرير مصيرها إلا إذا تماهى ذلك مع مصالحها الاستراتيجية الضيقة.

إن أخطر ما يوثقه هذا التقرير - الذي لا يُتهم صاحبه ويلي فوتر بالانحياز العاطفي للجنوب ولا بالتعاطف الرومانسي مع قضيته - هو كشفه المُزلزل لازدواجية الدور السعودي الذي يجسده سفيرها وأدواته ببراعة محنكة؛ فهو ذلك الدبلوماسي الذي يجوب العواصم الأوروبية حاملًا في يمينه "جزرة" السلام والإعمار والوساطة، متوشحًا برداء مهندس التنمية والمشرف على بناء المدارس والمستشفيات، ليقدم للغرب "خيالًا مريحًا" يبرر التعامل مع نظام يمارس أبشع صور الإكراه والهيمنة، بينما تختبئ في يساره "عصا" غليظة من أدوات عسكرية مباشرة وغير مباشرة، تحرك قوات موالية لها في جوف الليل لتعيد تشكيل خريطة الجنوب وفق شروط الرياض لا وفق إرادة أبنائه؛ إنها استراتيجية شيطانية في دقتها، تتلخص في معادلة صادمة لا تقبل التأويل: الباب مفتوح في الرياض للتفاوض فيما الميدان مغلق في عدن وحضرموت بقوة السلاح، مما ينهك الجنوبي سياسيًّا ويستنزفه ميدانيًّا في آنٍ معًا، ويجعله أسير حلقة مفرغة من الوعود المعسولة والضربات الموجعة.

وإذا كان التقرير يقدم خدمة جليلة لقضية شعب الجنوب - قد لا يكون أبناء الجنوب أنفسهم قد أدركوا أبعادها كاملة - فإن تلك الخدمة تتجسد في نقله لها من مربع "الملف اليمني-اليمني" الضيق الذي طالما سعت الرياض إلى حبسها فيه، إلى فضاء "الملف الأوروبي-القانوني" الدولي، عندما يقرر بجرأة أن صادرات السلاح الأوروبية للسعودية تتعارض تعارضًا صارخًا مع معاهدة تجارة الأسلحة والموقف الأوروبي المشترك، مما يحول الجنوب - شاءت أوروبا أم أبت - من مجرد ضحية مهمشة إلى ورقة ضغط أخلاقية وقانونية على الحكومات الأوروبية التي طالما راهنت الرياض على صمتها وتواطئها؛ غير أن هذا الإنجاز الدبلوماسي الذي يقدمه التقرير على طبق من ذهب لا يخلو من سموم قاتلة تنساب في نسيج السردية كالسم الزعاف، إذ يحصر قضية شعب الجنوب في إطار "خفض التصعيد" المريب، متبنيًا السردية السعودية التي تُجرِّم أي تحرك جنوبي توسعي باعتباره تهديدًا للسلام لا حقًا سياسيًّا مشروعًا، وكأن المطلوب من شعب بأكمله أن يدفن حلمه في استعادة دولته تحت ركام اتفاقات هشة لا تعدو كونها هدنات مؤقتة لالتقاط الأنفاس وإعادة التموضع.

والأدهى والأمر من ذلك كله هو أن التقرير - وهو يسرد تفاصيل المؤامرة على الجنوب - يمارس في الوقت ذاته سياسة طمس موازية لقضية شعب لا تقل خطورة عن تلك التي يتهم سفير الرياض بممارستها؛ فهو يتعمد تغييب مشروع الاستقلال واستعادة الدولة الجنوبية بالكلية، ويتحدث بلغة باردة عن "تقليص سيطرة" و"إعادة تشكيل" وكأن الأمر لا يعدو كونه صراع فصائل على النفوذ داخل كيان يمني موحد مفترض، مما يفرغ قضية شعب بأكمله من بعدها التاريخي الوجودي ومن سرديتها القانونية التي تستند إلى شرعية دولة قامت وأُجهضت بالقوة الغاشمة عام 1994؛ بل إنه يضع المجلس الانتقالي.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من عدن تايم

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من عدن تايم

منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ ساعة
منذ 8 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 51 دقيقة
عدن تايم منذ 3 ساعات
صحيفة عدن الغد منذ ساعتين
صحيفة عدن الغد منذ 8 ساعات
صحيفة عدن الغد منذ ساعتين
عدن تايم منذ 3 ساعات
صحيفة عدن الغد منذ 6 ساعات
صحيفة عدن الغد منذ 4 ساعات
صحيفة عدن الغد منذ 6 ساعات