تتجه أنظار العالم، يوم الأحد المقبل، التاسع عشر من يوليو (تموز) 2026، صوب ملعب «ميتلايف» الأيقوني، حيث يشهد نهائي كأس العالم مواجهة استثنائية تفوق أبعادها حدود المستطيل الأخضر.
يلتقي المنتخبان الأرجنتيني والإسباني في حوار كروي صاخب يجمع بين بلدين توحدهما لغة «ثيربانتس» الإسبانية، وتفصلهما فصول التاريخ المشبعة بذكرى الاستقلال؛ إذ تجدد بوينس آيرس في كل عام احتفالاتها بالانعتاق من عباءة التاج الإسباني، ليعيد التاريخ صياغة نفسه اليوم في قالب رياضي تبحث فيه مدريد عن استعادة كبريائها الكروي، وتطمح فيه الأرجنتين إلى تأكيد سطوتها العالمية.
جغرافيا المساحات وصراع الديموغرافيا بين ضفتي الأطلسي تكشف الأرقام الجغرافية والديموغرافية عن تباين صارخ في القوى بين البلدين، حيث تمتد الأرجنتين على مساحة شاسعة تبلغ مليونين وسبعمائة وثمانين ألفاً وأربعمائة كيلومتر مربع، متفوقة بوضوح على مساحة إسبانيا التي توقفت عند خمسمائة وخمسة آلاف وتسعمائة وتسعين كيلومتراً مربعاً.
ومع ذلك، تتفوق إسبانيا في الكثافة البشرية بوجود نحو تسعة وأربعين مليوناً وثلاثمائة ألف نسمة يعيشون في العاصمة مدريد والمدن المجاورة، مقارنة بنحو ستة وأربعين مليوناً ومائة ألف نسمة يسكنون بلاد الفضة في بوينس آيرس، ما يضفي على اللقاء طابعاً ديموغرافياً مثيراً.
رموز السيادة وتقلبات الاقتصاد والجاهزية العسكرية ينعكس التباين الاقتصادي بين الدولتين على قيمة عملتيهما، إذ تعتمد إسبانيا على اليورو القوي الذي يعزز ترتيبها الاقتصادي العالمي في المرتبة الرابعة عشرة، متقدمة على الأرجنتين التي تعاني تقلبات البيزو، وتقبع في المرتبة الرابعة والعشرين عالمياً.
ويمتد التفوق الإسباني إلى الجانب العسكري، حيث يحتل الجيش الإسباني المركز الثامن عشر في قائمة أقوى الجيوش عالمياً، بينما يحل نظيره الأرجنتيني في المرتبة الثانية والثلاثين؛ ما يعكس الفوارق الهيكلية بين عملاق القارة العجوز والبلد اللاتيني الطامح.
ظلال التاريخ السحيق وصخب الاستقلال المنبعث في ملاعب المونديال لم تكن رحلة بوينس آيرس نحو الانعتاق من عباءة مدريد مجرد فصول جافة في كتب التاريخ، بل كانت ملحمة وجودية قادها جنرالات الثورة وعلى رأسهم البطل القومي خوسيه دي سان مارتين، ومانويل بيلغرانو، لإنهاء عقود من سيطرة «شبه الجزيريين» القادمين من أوروبا على مقاليد السلطة والثروة ضد رغبة سكان البلاد الأصليين من «الكريول».
وتعود جذور هذا الصدام إلى عام 1810، عندما اجتاحت جيوش نابليون بونابرت إسبانيا وسقطت إشبيلي؛ ما فكك هيبة التاج الملكي، وأحدث فراغاً سياسياً في «ملكية ريو دي لا بلاتا البديلة»، ليثور الأرجنتينيون في «مايو» المجيد، مستغلين وهن المستعمر لإشعال أول حرب استقلال في أميركا الجنوبية.
طلقات المدافع ودماء التحرر تكللت أخيراً في التاسع من يوليو عام 1816 بمؤتمر «توكومان» التاريخي الذي أعلن ولادة الأرجنتين بوصفها دولة ذات سيادة، ليتجدد صخب هذا الانعقاد السياسي اليوم فوق العشب الأخضر، حيث ينزل أحفاد سان مارتين بروح التحرر لمواجهة «الماتادور» في حوار كروي يعيد إحياء صراع السيادة القديم، ولكن بروح رياضية وأقدام ذهبية تسعى وراء قهر رمز الإمبراطورية القديمة كروياً.
الروابط الثقافية العابرة للمحيط وعقدة الغزو والتحرر بين التاج والجمهورية تتداخل التفاصيل الثقافية والاجتماعية بين مدريد وبوينس آيرس لتصنع نسيجاً إنسانياً فريداً يتجاوز ندوب الماضي، حيث يتجلى الترابط في اعتناق الديانة المسيحية الكاثوليكية كركيزة روحية أساسية، جنباً إلى جنب مع لغة مشتركة توحد شغف جماهيرهما.
وتبرز الفوارق السياسية العميقة في الجذور الهيكلية للدولتين؛ إذ لا تملك إسبانيا تاريخ استقلال تقليدياً لعدم خضوعها للاستعمار الخارجي عبر تاريخها الحديث، بل تحتفل بيومها الوطني في الثاني عشر من أكتوبر (تشرين الأول) تخليداً للحظة المفصلية عام 1492 التي فتحت فيها أبواب «العالم الجديد».
وفي المقابل، تصر الأرجنتين على أن يظل شهر يوليو من كل عام رمزاً لانعتاقها وفخرها بالسيادة الوطنية المستقلة؛ ما يحول هذا الصدام الكروي من مجرد مواجهة رياضية إلى كرنفال ثقافي وثائقي تبرز فيه قيم التحرر اللاتيني أمام كبرياء التاج الذي لم يُستعمر قط.
صراع الجبابرة على قمة «الفيفا» وعرش النجوم المونديالية يتجلى الصدام الكروي في أبهى صوره عند.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الشرق الأوسط - رياضة





