على مدى العقدين الماضيين، كانت مشاهدة ليونيل ميسي متعة خالصة وامتيازاً نادراً ومصدراً دائماً للدهشة. فهناك لاعبون جيدون، وهناك لاعبون عظماء، ثم يأتي ميسي في مرتبة مختلفة تماماً، وكأنه جاء من عالم آخر؛ كائن استثنائي يسكن جسد رجل عادي لا يتجاوز طوله 170 سنتيمتراً، خرج من مدينة روساريو الأرجنتينية ليعيد تعريف كرة القدم وذلك وفقاً لشبكة The Athletic.
في ذروة عطائه مع برشلونة، منذ أواخر العقد الأول من الألفية وحتى بدايات العقد الحالي، كان ميسي يخطف الأنفاس في كل مرة يلامس فيها الكرة تقريباً. ففي لحظة واحدة كان ينتقل من المراوغة الساحرة إلى الحسم القاتل. لم يكن مجرد هداف استثنائي يسجل بغزارة، بل كان صانعاً للفرص ومصدراً دائماً للفوضى في دفاعات المنافسين، يقدم مستويات جعلت حتى أكثر الصحافيين خبرة وتحفظاً يقفون مبهورين بما يشاهدونه.
لكن متابعة ميسي في كأس العالم الحالية، وربما حتى في النسخة السابقة بالنظر إلى ما لم نكن نعرفه آنذاك، تبدو مختلفة تماماً. لم يعد الإعجاب مقتصراً على موهبته الخارقة، بل أصبح ممزوجاً بالدهشة من قدرته على الاستمرار في تقديم هذا المستوى، وإن بصورة أقل انتظاماً، وهو في الخامسة والثلاثين خلال مونديال قطر 2022، ثم في التاسعة والثلاثين الآن. وفي الأدوار الإقصائية تحديداً، يرافق كل ظهور له شعور بأن هذه قد تكون آخر مرة يشاهده فيها العالم على أكبر مسرح كروي.
ويزداد هذا الشعور مع إدراك أن كل مباراة، وكل أداء، وكل لحظة حاسمة يقدمها بقميص الأرجنتين، تضيف فصلاً جديداً إلى إرث رياضي بدا مكتمل الأركان منذ سنوات. وحتى أولئك الذين ظلوا يرون أن إرث بيليه أو دييغو مارادونا عصيّ على التجاوز، أو أولئك القلة الذين يرفضون الاعتراف بميسي أفضل لاعب في العصر الحديث، يجدون أنفسهم أمام لاعب يواصل تحدي أكثر القناعات رسوخاً.
وسيكون نهائي الأحد أمام إسبانيا آخر ظهور لميسي في كأس العالم، وهو أمر أكده بنفسه، رغم أنه أعلن الأمر ذاته عقب تتويج الأرجنتين في مونديال 2022، معتبراً آنذاك أن تحقيق حلمه بقيادة بلاده إلى اللقب العالمي في المحاولة الخامسة «أغلق دائرة» وشكل النهاية المثالية لمسيرته.
غير أن المؤشرات هذه المرة تبدو أكثر حسماً. حتى الأغنية التي يرددها لاعبو وجماهير الأرجنتين، والتي تتضمن العبارة الشهيرة «من أجل جزر المالويناس»، في إشارة إلى جزر فوكلاند المتنازع عليها مع المملكة المتحدة، تحمل أيضاً عبارة أخرى تقول: «من أجل بطولة ليو الأخيرة».
ورغم أن ميسي قد يواصل مسيرته حتى بطولة «كوبا أميركا 2028»، المقررة أيضاً في الولايات المتحدة، فإن كأس العالم 2030 تبدو بعيدة حتى عن قدرته الاستثنائية على تحدي الزمن. وبالنسبة إلى الغالبية العظمى من عشاق كرة القدم حول العالم، ممن لا يتابعون مباريات إنتر ميامي في الدوري الأميركي، فقد يكون هذا الظهور هو الأخير لهم مع ميسي داخل المستطيل الأخضر.
وخلال الأسابيع الخمسة الماضية، بدا وكأن هذه الحقيقة بدأت تتسلل إلى ذهنه في الدقائق الأخيرة من المباريات. ففي فترات طويلة كان يبدو هادئاً، قبل أن يتحول فجأة إلى لاعب آخر عندما كانت الأرجنتين متأخرة 2-0 أمام مصر في دور الـ16، أو متأخرة 1-0 أمام إنجلترا في نصف النهائي. حينها كان يستحضر كل ما لديه من شراسة وإصرار.
ووصف زميله السابق في برشلونة تييري هنري هذا التحول بقوله عبر استوديو شبكة «فوكس»: «لا تريد أن توقظ الوحش. يكفي أن تنظر إلى عينيه لتدرك أنه دخل في حالة مختلفة. عندما يصل إلى تلك الحالة يصبح من الصعب جداً إيقافه. يبدأ في طلب الكرة، ويتجاوز المنافسين واحداً تلو الآخر محاولاً تغيير مجرى المباراة».
لكن التحدي أمام الأرجنتين يتمثل في أن إسبانيا قد لا تمنحها المساحات ذاتها التي وجدتها أمام مصر، ولا حتى تلك التي أتاحتها إنجلترا. ففي نصف النهائي، وبعد تقدم الإنجليز، تراجع الفريق إلى مناطقه الدفاعية تدريجياً، وهو ما منح ميسي الفرصة لفرض إيقاعه وصناعة هدفي إنزو فرنانديز ولاوتارو مارتينيز. أما إسبانيا، فعندما تقدمت على فرنسا في نصف النهائي الآخر، لم تتراجع، بل واصلت الضغط والسيطرة حتى أضافت الهدف الثاني وأحكمت قبضتها على المباراة.
ومنذ تعادلها المخيب أمام الرأس الأخضر في مستهل البطولة، بدت إسبانيا الفريق الأكثر تكاملاً وتنظيماً وانسجاماً. أما الأرجنتين، فقد اعتمدت كثيراً على ردود الفعل، وعلى الروح القتالية التي لا تستسلم، إلى جانب ومضات عبقرية ميسي. ولذلك تميل ترشيحات شركات المراهنات، والنماذج الإحصائية، وحتى غالبية قراء صحيفة «ذا أثلتيك»، إلى اعتبار المنتخب الإسباني الأقرب للفوز في ملعب «ميتلايف».
لكن الذاكرة تعود مباشرة إلى نهائي 2022، عندما كانت فرنسا المرشح الأبرز للفوز، قبل أن تنتصر الأرجنتين في واحد من أعظم.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الشرق الأوسط - رياضة
