محطات كثيرة تحظى بها رحلة الموسيقار الراحل هاني شنودة، كان أبرزها ما اعتبره أهل الفن خروجا عن القوالب التقليدية إلى الحد الذي يتخطى التجديد؛ وهو ما تجلى في أغنية "زحمة يا دنيا زحمة"، التي غناها الراحل أحمد عدوية وتخطت الوصف المجرد للأغنية الشعبية في التسلية والإمتاع وحملت رسائل اجتماعية كانت جديدة على الشارع المصري آنذاك، حتى أن الرئيس محمد أنور السادات التقط ما كان يُقصد من جانب السائقين بها ليعيد الانضباط إلى الشارع.
ورحل الموسيقار هاني شنودة عن عالمنا صباح الاثنين 21 يوليو 2026، عن عمر ناهز 83 عاما، بعد مسيرة فنية حافلة بمئات الألحان، مثلت تجديدا في الموسيقى وخروجا عن قالبها التقليدي؛ إذ كانت أبرز تلك المحطات تأسيس شنودة لفرقة "المصريين" الشهيرة أواخر السبعينيات، وساهم في تلك الفترة بتشكيل هوية الفنان محمد منير، الذي كان في بداياته الفنية، ولحن له ألبوم "علموني عنيكي"، كما لعب دورا مهما في انطلاقة الفنان عمرو دياب، ولحن 4 أغنيات من ألبومه الأول "يا طريق" مطلع ثمانينيات القرن الماضي، منها أغنية الألبوم الرئيسية، وأغنية "الزمن".
زحمة يا دنيا والرد على لقب الخواجة
لطبيعته التي تميل دائما إلى التجديد، كان تعاون شنودة مع الفنان الشعبي الراحل أحمد عدوية في إحدى أكثر أغانيه شهرة، "زحمة يا دنيا زحمة"، والتي وصفها بأنها لم تكن مجرد أغنية شعبية للتسلية والإمتاع، بقدر ما حملت رسائل اجتماعية عكست واقع الشارع المصري.
ووثق شنودة تلك التفاصيل والذكريات ضمن فصول مذكراته، الصادرة بعنوان "مذكرات هاني شنودة"، التي كتبها الكاتب والناقد مصطفى حمدي، ونشرتها دار ريشة.
وجاء في المذكرات: "أشعلت فرقة (المصريين) ثورة في شكل الأغنية المصرية، وهو تغيير أقلق منام كثيرين ممن نصبوا أنفسهم حراسا على الذوق العام؛ قليلون جدا استسلموا لدوران عجلة الزمن وتابعوا التجربة في صمت أو باركوها، بينما هاجمها كثيرون، ووصفوا هاني شنودة بالخواجة الذي جاء ليفسد الأغنية المصرية ويفرنِجها".
وقال شنودة وقتها إن وصفه بـ"الخواجة" أغضبه، وما زال يرى في هذا الوصف انتقاصا من مصريته وطمسا لهويته، لكنه استثنى الموسيقار محمد عبدالوهاب، الذي استخدم الوصف على سبيل المدح عندما قال له: "هاني شنودة أقرب الخواجات لينا"، في إشارة من شنودة إلى أن عبدالوهاب، باعتباره مجددا وثائرا على مدارس الموسيقى التي سبقته، كان يقصد الإشادة بموهبته لا الانتقاص منها.
ووصف شنودة غضبه آنذاك: "غضبت منهم، لكنني لم أغضب من عبدالوهاب لأنه كان يمدحني، وتحول هذا الغضب إلى رد عملي بالموسيقى.. قالوا عليَ خواجة، فعملتلهم أغنية (زحمة) لأحمد عدوية، التي قلبت حال البلد وقتها".
أزمة المرور
ويكمل شنودة: "بدأت الحكاية عندما استدعاني المنتج عاطف منتصر وقال لي: إن مبيعات عدوية انخفضت في آخر شريطين، فهل عندك مانع في العمل معه؟".
ويواصل شنودة حديثه: "الحقيقة وجدتها فرصة لأقدم شيئا جديدا في مجال الأغنية الشعبية، كان لدي حماس لأن أضع بصمتي في هذه المنطقة وأطبق فيها ما تعلمته.. كان تحديا جديدا ومثيرا".
نبض الشارع وتعبير عن الواقع
ويتابع شنودة: "قال لي عاطف: ادخل المكتب المجاور لمكتبي، ستجد ملفا كبيرا مليئا بالأغاني الشعبية، اختر منه ما يعجبك، قرأت كل الأغاني الموجودة في الملف تقريبا، ولم تخطف عيني سوى أغنية (زحمة يا دنيا) التي كتبها حسن أبو عثمان.. لفتت انتباهي كلماتها، خصوصا الحالة التي عبَر عنها الشاعر بخيانة الزمن له، عندما ذهب قبل الموعد فلم يجد من سيقابله، فخاف أن يذهب مرة أخرى في الموعد فيتعطل في الزحام.. كلمات عبقرية خرجت من نبض الشارع المصري الذي كان وقتها على مشارف الأزمة المرورية التي أصبحت، حتى الآن، سمة من سمات شوارعنا".
ويقرأ هاني شنودة دائما ما وراء السطور؛ فتخطفه الأغنية الاجتماعية التي تعبر عن الناس ومشاعرهم ومشكلاتهم، تلك التي يلتقطها كاتبها من فوق رصيف الحياة، وقد يرى البعض في "زحمة يا دنيا" مجرد أغنية للفرفشة، لكن شنودة رأى فيها رسالة اجتماعية وسياسية أعمق من ذلك.
ويقول شنودة: "المصريون عندهم زمن خاص بيهم، مافيش حد في العالم بيقول: الساعة كذا إلا تلت مثلا، أنا خطفتني عبارة (الساعة إلا تلت) في الأغنية، لأنها معبرة عن هويتنا، نحن لنا هوية خاصة بنا، بحلوها ومرها، لكنها تميزنا عن الآخرين، كما أن حسن أبو عثمان عبَر عن حالة احتلت المجتمع مع بداية هذا العصر عندما كتب: (عايز ألقاه وأقوله.. ما بيوصلش الكلام).. نحن هنا نتحدث عن التلوث السمعي الناتج عن الضوضاء، تقولي (زحمة يا دنيا) أغنية شعبية وبس؟! هقولك: لا طبعا، دي.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من جريدة الشروق
