في حقبة كروية صاخبة، تلهث فيها الكاميرات خلف المهاجمين وأصحاب المهارات الاستعراضية، نجح رجل واحد في إعادة الاعتبار للمراكز غير المرئية، محولاً دور لاعب الارتكاز إلى الفن الأرقى والأكثر تأثيراً في اللعبة.
إنه رودريغو هيرنانديز كاسكانتي، أو ببساطة «رودري»، الرجل الذي لم يكتفِ بضبط إيقاع خط وسط منتخب إسبانيا وفريق مانشستر سيتي الإنجليزي لكرة القدم، بل ضبط إيقاع التاريخ الكروي الحديث ليجمع بين الكرة الذهبية لعام 2024 وتتويجه الأحدث أفضل لاعب في كأس العالم 2026.
لم يكن رودري، في ليلة التتويج الإسباني بكأس العالم 2026، أكثر لاعبي البطولة تسجيلاً، ولا أكثرهم صناعة للأهداف، ولا صاحب اللقطات الأكثر انتشاراً. لكنه كان، مرة أخرى، اللاعب الذي بدا أن المباراة تتحرك وفق إيقاعه الخاص.
وعندما أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) اختياره للفوز بالكرة الذهبية لأفضل لاعب في المونديال، كان الإسباني يضيف فصلاً جديداً إلى مسار استثنائي بدأ قبل عامين تقريباً.
وفي أكتوبر (تشرين الأول) عام 2024، حصل رودري على الكرة الذهبية العالمية، بعد موسم قاد فيه مانشستر سيتي إلى لقب الدوري الإنجليزي الممتاز للمرة الرابعة على التوالي، ثم لعب دوراً محورياً في تتويج إسبانيا بكأس الأمم الأوروبية، بوصفه أفضل لاعب في البطولة.
واليوم، يأتي الاعتراف الأكبر ليؤكد أن الأمر لم يعد يتعلق بموسم عابر، بل بظاهرة تكتيكية فريدة، لاعب لا يحتاج إلى أن يكون آخر من يلمس الكرة كي يكون أول من يحدد اتجاه المباراة.
اللافت في قصة رودري، أن الجوائز الثلاث الكبرى لم تأتِ نتيجة تحول مفاجئ في أسلوبه، بل جاءت تأكيداً متتالياً على القيمة التكتيكية نفسها التي يقدمها، وبلغة أرقام صارمة.
في كأس أمم أوروبا 2024، شارك رودري في ست مباريات، خاض خلالها 521 دقيقة، وأكمل 411 تمريرة من أصل 439، بنسبة نجاح تجاوزت 92 في المائة، ليكون الركيزة الفولاذية التي قادت إسبانيا إلى لقبها الأوروبي الرابع.
وفي كأس العالم 2026، منح المسار ختامه النهائي؛ إذ تربع على عرش أكثر لاعبي المونديال تمريراً بـ435 تمريرة، بدقة بلغت 94 في المائة، إلى جانب 12 محاولة لكسر الخطوط الدفاعية، نجح في 92 في المائة منها.
هذه الأرقام تكشف عن حقيقة جوهرية. رودري لم يكن يمرر الكرة لمجرد الاحتفاظ بها، بل لنقل إسبانيا بدقة إلى المساحة التي تريد السيطرة عليها.
وفي كرة القدم الحديثة، أصبح من السهل قياس النجومية عبر خوارزميات الأهداف والتمريرات الحاسمة والمراوغات، وهي أرقام مهمة، لكنها تعجز عن التقاط قيمة اللاعب الذي يتحكم في المسافات بين الخطوط، ويحدّد متى يبطئ اللعب ومتى يسرعه، مانحاً زملاءه الوقت والمساحة.
هنا تحديداً تكمن خصوصية رودري؛ فهو لا يملك الامتياز الإحصائي للمهاجم أو الجناح، بل إن وظيفته أكثر تعقيداً وعمقاً. إنه المحطة التي يبدأ منها البناء، ومركز العمليات الذي يمر عبره الانتقال، والملاذ الذي يعود إليه الفريق لاستعادة توازنه.
ولهذا؛ فإن أفضل طريقة لتقييمه ليست السؤال: «كم هدفاً سجل؟» بل: «كم مرة جعل فريقه قادراً على فرض أسلوبه؟».
كان فوز رودري بالكرة الذهبية في 2024 لحظة فارقة لكرة القدم الإسبانية والعالمية؛ لأنه كسر التقليد الطويل الذي يحتكر بموجبه المهاجمون وصناع الأهداف الجوائز الفردية.
ورغم هذا التقدير، لم يحاول رودري أن يغير وظيفته أو يبحث عن اللقطات الاستعراضية، بل ظل لاعب الوسط الملتزم بربط المساحات ومنح فريقه التوازن، ليثبت أن إدارة الإيقاع هي موهبة هجومية ودفاعية في آن واحد.
ثم جاء المونديال الأخير ليؤكد الفكرة ذاتها في بيئة أكثر تعقيداً، فكأس العالم بطولة مغلقة تحسم بالتفاصيل الصغيرة، وفيها اختاره.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الشرق الأوسط - رياضة
