إن المتأمل في حركة التحول الاجتماعي المعاصر يدرك يقينا أننا نعيش مخاضا فكريا ومرحلة مفصلية تتنازع فيها قيم الأصالة الموروثة وأدوات المعاصرة المتسارعة، في هذا الفضاء المتغير تعود إلى السطح تساؤلات جوهرية حول أدوار البنى الاجتماعية التقليدية وفي مقدمتها "القبيلة" التي عاشت لقرون طويلة تحكمها "الأعراف والسلوم" وهي منظومة تشريعية غير مكتوبة برهن الإنسان من خلالها على عبقرية فذة في إدارة الأزمات وصيانة الحقوق وتحقيق الاستقرار في بيئات كانت تفتقر آنذاك لمؤسسات الدولة المركزية.
بيد أن ثوابت التاريخ والسنن الكونية تؤكد دائما أن "الجمود مؤذن بالزوال". إن رغبة البعض في إبقاء الأعراف الاجتماعية على طبيعتها القديمة دون مراجعة أو تطوير وفي معزل عن سياق الدولة الحديثة وسيادة القانون، لم تعد ضربا من الوفاء للموروث بل باتت سببا في تآكله وإضعافه من الداخل، فالأدوات الفكرية والآليات التنظيمية التي صُنعت لإدارة مجتمعات المشافهة والرعي لا يمكنها بأي حال من الأحوال كبح جماح مجتمع يعيش في فضاء رقمي معولم محكوم بالسوشال ميديا والتمدد المدني المتسارع.
إن التحدي الحقيقي اليوم لم يعد مواجهة مهددات مادية تتطلب استنفارا تقليديا بل هو مواجهة "فوضى رقمية عابرة للحدود" تُدار بضغطة زر، فوضى قادرة على تمزيق النسيج المجتمعي وهدم قيم الفضل والرفعة وإشعال فتن الأنساب والتفاخر الأجوف في فضاءات افتراضية، لا يستفيد منها إلا الباحثون عن "الوهم" وصناعة المحتوى الزائف!!
أمام هذا الواقع تبرز حاجة ماسة وعاجلة لإنتاج "وعي اجتماعي جديد" وعي يتجاوز العفوية نحو الحوكمة، وينطلق من ثوابت الهوية الوطنية ليتواءم تماما مع الأنظمة السيادية للدولة.
ولتحقيق هذا الانتقال من نمط "العرف التقليدي" إلى نمط "المواطنة الواعية" أطرح هنا رؤية لميثاق قيمي ومجتمعي يرتكز على خمسة أبعاد استراتيجية:
أولا: الانتقال من الفزعة التضامنية إلى المسؤولية الفردية: في دولة النظام والقانون لم يعد مقبولا فقهيا ولا عقليا أن تتحمل الجماعة وزر أخطاء الأفراد العابثين بالنظام العام، إن ترسيخ مبدأ المسؤولية القانونية الفردية هو الخطوة الأولى لحماية المجتمع من شطحات المستهترين، وجعل القانون.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة مكة
