إذا كانت صيانة الهوية الوطنية تعني حفظها من التآكل الداخلي، فإن المرحلة الأرفع والأكثر حساسية في نضج الوعي الوطني هي الانتقال من الصيانة إلى الحصانة، فليس كافيًا أن تبقى الهوية محفوظة، بل لا بد أن تصبح منيعة وليس كافيًا أن تستمر، بل لا بد أن تكون قادرة على المقاومة، فثمة فرق كبير بين هوية تتماسك في الظروف العادية، وهوية تصمد أمام محاولات الاختراق والتفكيك والاستلاب والتذويب حين تشتد الضغوط وتتعقد التحديات.
إن الصيانة، على جلالة ضرورتها، تظل في جوهرها فعل حفظٍ داخلي، يبقي المعنى حيًا، ويبقي السلوك متصلًا بالانتماء، أما الحصانة فهي درجة أعلى؛ لأنها تضيف إلى الحفظ المناعة، وإلى البقاء القدرة على الصمود، ولذلك فإن الحديث عن الهوية الوطنية لا يبلغ مداه إذا توقف عند الصيانة، لأن العالم المعاصر لم يعد يكتفي بامتحان تماسك الهويات من الداخل، بل صار يختبرها من الخارج بشكل دائم، عبر السرديات العابرة للحدود، والمنصات الرقمية، والأيديولوجيات المنافسة، ومحاولات إعادة تشكيل الوعي والولاء والانتماء.
ومن هنا فإن حصانة الهوية الوطنية تعني أن يكون المجتمع قادرًا على مجموعة أمور هي: الانفتاح دون أن يذوب، والتفاعل دون أن يستلب، والتحديث دون أن ينبت من أصوله، واكتساب الجديد دون أن يفقد نفسه فيه، والحصانة بهذا المعنى ليست خوفًا من العالم، ولا انسحابًا منه، ولا انغلاقًا على الذات، بل هي ثقة منظمة بالذات، تجعل المجتمع يعرف ما يأخذ، وما يدع، من غير ارتباك ولا تبعية ولا هشاشة، ولذلك فإن أخطر ما يهدد الهوية في زمننا هو ذلك النوع من التآكل الناعم الذي يتسلل عبر اللغة والصور والمفاهيم والخطابات وأنماط الحياة، فثمة قوى كثيرة في العالم المعاصر تسعى، صراحة أو ضمنًا، إلى أن تجعل الإنسان السعودي أقل ارتباطًا بدولته، وأضعف إحساسًا بخصوصيته، وأكثر قابلية للذوبان في هويات عائمة، أو ولاءات متصارعة، أو تصورات فردانية لا ترى في الوطن سوى إطار إداري لا معنى له، وهنا تتجلى أهمية الحصانة؛ لأنها ليست مجرد حراسة للشكل الوطني، بل دفاع عن المعنى الوطني نفسه.
وحصانة الهوية الوطنية تبدأ من وضوح المرجعية، لأن المجتمع الذي لا يعرف ما الذي يؤسس ذاته يصبح أكثر عرضة للانجراف مع كل موجة فكرية أو ثقافية أو سياسية عابرة، أما المجتمع الذي يعرف أصوله، ويفهم منطق دولته، ويستوعب قصة وحدته، ويدرك قيمة استقراره، فإنه يكون أقدر على التمييز بين النقد المسؤول والهدم العدمي، وبين الانفتاح الضروري والاستلاب المدمر، وبين التطوير المشروع واقتلاع الجذور الوطنية التي تنبت الساق والأغصان والأوراق والثمار.
وفي الحالة السعودية، تتخذ الحصانة الوطنية معنى أكثر أهمية؛ لأنها دولة ذات ثقل ديني وسياسي وإستراتيجي وحضاري كبير، وهي موضع استهداف كبير من فرقاء مختلفين، وهذا يجعل هويتها الوطنية موضع اختبار دائم، وموضع اهتمام كبير من قوى مختلفة، بعضها يريد التأثير، وبعضها يريد التشويش، وبعضها يريد إعادة تفسير المجتمع والدولة وفق قوالب لا تنتمي إلى منطقنا الداخلي، وكلما ازداد حضور المملكة الإقليمي والدولي، وتكثفت أدوارها، وارتفعت طموحاتها، ازدادت معها هذه الضغوطات والمخاطر، وبالتالي ازدادت معها ضرورة بناء هوية وطنية لا تكتفي بالتماسك، بل تمتلك مناعة وحصانة عالية تجاه الاختراق الرمزي والفكري والسياسي.
والحصانة الوطنية لا تبنى بالعاطفة وحدها، لأن العاطفة -على ضرورتها- قد تشتعل سريعًا وتهدأ سريعًا، كما أن الحصانة لا.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية
