في ظل التحولات الاقتصادية والصناعية المتسارعة، أصبحت الطاقة، بشقيها التقليدي والمتجدد، عنصرًا أساسيًا في بناء اقتصادات قادرة على النمو والاستمرار. ومن هنا، تبرز مرونة منظومة الطاقة واستدامتها بوصفهما أولوية إستراتيجية، خصوصًا مع تزايد التحديات الجيوسياسية، وتقلبات الأسواق، واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية.
ولم يعد التوطين في قطاع الطاقة مقتصرًا على التصنيع التقليدي أو إنتاج بعض المكونات محليًا، بل أصبح مسارًا أوسع يشمل نقل المعرفة، وتطوير الكفاءات الوطنية، وتوطين الخدمات الهندسية المتخصصة، وتعزيز قدرات التشغيل والصيانة. ويهدف هذا التوجه إلى بناء منظومة قادرة على الاستمرار والتكيف وتوفير البدائل التشغيلية عند تأثر الإمدادات الخارجية.
وتزداد أهمية هذا المسار مع التوسع العالمي في الاقتصاد الجديد القائم على الذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، والتصنيع المتقدم. فهذه التحولات تعيد تشكيل أنماط الطلب على الطاقة، وتضع موثوقية الإمدادات، ومرونة الشبكات، وجاهزية سلاسل الإمداد في صدارة الأولويات. وفي مثل هذه البيئة، قد يؤدي الاعتماد المفرط على الموردين الخارجيين إلى ارتفاع المخاطر والتكاليف عند وقوع اضطرابات عالمية.
ومن هذا المنطلق، لا يُقاس نجاح التوطين فقط بحجم المنتجات التي يتم تصنيعها محليًا، بل بقدرة المنظومة الوطنية على مواصلة أعمالها، والاستجابة السريعة للتغيرات، وتقليل فترات التوقف، وتوفير الحلول البديلة عند الحاجة. وفي هذا السياق، تمثل برامج التدريب المتخصصة عنصرًا أساسيًا في تنمية رأس المال البشري، خصوصًا في مجالات إدارة الطاقة، والتشغيل، والصيانة، والتحليل الفني. فالتدريب المرتبط باحتياجات القطاع يسهم في رفع الكفاءة التشغيلية، ويمكّن الكوادر الوطنية من المشاركة في أعمال تتطلب معرفة متخصصة ومهارات متقدمة.
ولا يكتمل هذا المسار دون وجود قاعدة صناعية محلية تحول المعرفة والخبرة إلى قدرات إنتاجية وتشغيلية مستدامة. ويسهم تطوير المصانع المحلية في مجالات المعدات الكهربائية، والوحدات الذكية، وأنظمة التحكم، في دعم سلاسل الإمداد وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
وتكتسب هذه القدرات أهمية إضافية مع التوسع في الشبكات الكهربائية الذكية (Smart Grids)، التي تعتمد على إنترنت الأشياء (IoT)، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات اللحظية. وتساعد هذه التقنيات على تحسين توزيع الأحمال، والكشف المبكر عن الأعطال، وتقليل فاقد الطاقة في شبكات النقل والتوزيع، ورفع كفاءة التشغيل.
أما على مستوى الخدمات الهندسية، فإن توطين أعمال الصيانة المتخصصة، والإصلاح الهندسي، وإدارة الأصول يمثل جانبًا مهمًا من جاهزية قطاع الطاقة. فالمحولات والمحركات والمولدات تشكل مكونات رئيسية في منظومات الطاقة والمصانع وقطاعات النفط والغاز ومحطات تحلية المياه وغيرها من المنشآت الحيوية.
وقد يؤثر أي عطل غير متوقع في هذه المعدات بصورة مباشرة في استمرارية التشغيل، خصوصًا عندما تتطلب أعمال الفحص أو الإصلاح انتظار فرق متخصصة من الخارج. لذلك، يسهم توافر الخبرات المحلية في تقليل زمن الاستجابة، والحد من فترات التوقف، ورفع موثوقية الأصول.
كما أن تأهيل كفاءات متخصصة في فحص هذه المعدات وصيانتها وإصلاحها يعزز قدرة المنشآت.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الاقتصادية
