إيران و«الإخوان» والإمبراطورية الطائفية

على مدى عقود، اتجه الخطاب الغربي حول شؤون الشرق الأوسط إلى اختزال صراعات المنطقة في رواية مريحة مفادها أنها نتاج عداوات تاريخية متجذرة بين السُنة والشيعة، تعود إلى الواجهة كلما أُعيد فتح جراح الماضي. غير أن الواقع أقل رومانسية وأكثر براغماتية. فالهوية الطائفية في الشرق الأوسط المعاصر لا تعمل بوصفها إرثاً تاريخياً يحرك الأحداث، بل بوصفها أداة سياسية جاهزة للاستخدام؛ تُستخرج عند الحاجة، ويُعاد تشكيلها وتوظيفها كلما اقتضت المصالح ذلك، ثم تُعاد إلى مكانها عندما تنتهي فائدتها.

ويجسد النظام الإيراني هذا النموذج بوضوح أكبر من أي طرف آخر. فمنذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003، ثم التحولات التي أطلقتها انتفاضات ما يسمى بـ«الربيع العربي» بعد عام 2010، عملت طهران على بناء نفوذها الإقليمي عبر شبكة من الميليشيات ذات الغالبية الشيعية في العراق ولبنان وسوريا واليمن، في ما بات يُعرف بـ«الهلال الشيعي». ويقدم النظام الإيراني نفسه باعتباره حامياً للطائفة الشيعية في المنطقة وخط الدفاع الأخير في مواجهة الهيمنة الغربية والمحافظة السنية. وهي رواية تخدم أهدافه السياسية؛ إذ تمنح شرعية لتسليح «حزب الله»، ودعم أنظمة استبدادية مثل نظام بشار الأسد البائد، وتمويل الميليشيات في العراق واليمن تحت شعار التضامن المذهبي، بينما الهدف الحقيقي هو توسيع النفوذ، وإسقاط موازين القوة لصالحه.

لكن ما أن نتجاوز هذه الرواية حتى يتضح أن توظيف الطائفية كان أقرب إلى الانتهازية منه إلى القناعة. ففي سوريا، تُظهر الدراسات الخاصة بالحرب الأهلية أن الاصطفاف الطائفي لم يصبح الخيار المفضل إلا بعدما أثبت أنه أكثر فاعلية في ساحات القتال من التحالفات العابرة للطوائف. وبعبارة أخرى، لم تكن الطائفية هي الخيار الأول، بل الخيار الذي فرضته ضرورات الحرب.

غير أن الدليل الأوضح يظهر في الداخل الإيراني نفسه. فالنظام الذي يقدّم نفسه خارجياً بوصفه حامي الشيعة، يدير في الداخل منظومة تمارس تمييزاً قاسياً بحق مواطنيه من أهل السُنة، ولا سيما الأكراد والبلوش وأجزاء من عرب الأحواز، إذ يُستبعدون من أعلى مؤسسات الدولة، فيما تخلو طهران، بصورة لافتة، من أي مسجد رسمي لأهل السنة، رغم أن عددهم يتجاوز مليوناً ونصف المليون نسمة. ومع ذلك، فإن القمع لا يقتصر على السنة وحدهم. فعرب الأحواز، الذين يشكل الشيعة غالبيتهم الساحقة، تعرضوا بدورهم لبعض أشد أشكال القمع في البلاد، من الاعتقالات الجماعية والإعدامات إلى الإقصاء المنهجي عن الثروة النفطية المستخرجة من إقليمهم. وهذه الحقيقة وحدها كافية لنسف الادعاء بأن سياسات إيران الطائفية تنبع من روابط دينية حقيقية. فما يبدو أنه يحكم سلوك طهران ليس الانتماء المذهبي، بل الولاء السياسي والعقَدي لما يسمى بـ«ولاية الفقيه»، وهو النظام الديني الديكتاتوري الذي أسسه الخميني كنموذج شيعي لحكم يقوم على توظيف الدين في خدمة السلطة، على نحو يشبه توظيف جماعة «الإخوان» للهوية الدينية في مشروعها السياسي.

أما جماعة «الإخوان»، وهي الحركة الإرهابية التي تأسست في مصر عام 1928، فتتبنى نموذجاً موازياً يركز على المجتمع أكثر من تركيزه على الدولة. وقد جاءت قوتها المستمرة من قدرتها على بناء مؤسسات موازية؛ من شبكات المساجد.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الاتحاد الإماراتية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الاتحاد الإماراتية

منذ 9 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ ساعة
منذ 11 ساعة
منذ 8 ساعات
منذ 4 ساعات
صحيفة الخليج الإماراتية منذ 34 دقيقة
صحيفة الاتحاد الإماراتية منذ 13 ساعة
الشارقة للأخبار منذ 8 ساعات
صحيفة الخليج الإماراتية منذ 11 ساعة
وزارة الداخلية منذ 6 ساعات
الشارقة للأخبار منذ 7 ساعات
صحيفة الاتحاد الإماراتية منذ 5 ساعات
الشارقة للأخبار منذ 5 ساعات