في أوقات الأزمات.. الإمارات تحافظ على جاذبيتها لثروات البريطانيين

لم تؤدِّ التوترات الجيوسياسية الأخيرة في المنطقة إلى تغيير مسار انتقال الثروات البريطانية نحو الإمارات، رغم المغادرة المؤقتة لآلاف المقيمين خلال ذروة الاضطرابات. فبدلاً من العودة الدائمة إلى المملكة المتحدة، اختارت نسبة كبيرة من أصحاب الأعمال والمستثمرين والعائلات توزيع وجودها الجغرافي لفترة محدودة، مع الإبقاء على الإمارات مركزاً رئيسياً للإقامة وإدارة الأعمال والاستثمارات.

يعكس هذا السلوك تحولاً في طريقة إدارة المخاطر لدى الأفراد ذوي الثروات الدولية، الذين لم يعودوا يعتمدون على دولة واحدة، بل على شبكة من أماكن الإقامة والجنسيات والتأشيرات والعقارات، تسمح لهم بالتحرك سريعاً عند الضرورة، من دون التخلي عن مركزهم الاقتصادي الأساسي.

تشير بيانات شركة «فلامينغو كومبلاينس» (Flamingo Compliance)، والتي نقلها موقع AGBI، إلى أن الاضطرابات الأخيرة دفعت نحو 38% من المستخدمين المرتبطين بالمملكة المتحدة والمقيمين في الإمارات إلى مغادرة الدولة مؤقتاً، مقارنة بنسبة تقارب 17% خلال فترات السفر الاعتيادية. إلا أن الجزء الأهم من البيانات يكشف أن نحو 72% منهم عادوا إلى الإمارات أو سجلوا نية العودة خلال أقل من 60 يوماً، ما يعزز فرضية أن ما جرى كان إعادة تموضع مؤقتة، لا تغييراً في مقر الإقامة أو الأعمال.

إدارة المخاطر لدى أصحاب الثروات

تكشف البيانات أن تحركات أصحاب الثروات خلال فترات الأزمات تختلف عن أنماط الهجرة التقليدية. فبدلاً من نقل الأعمال أو تصفية الاستثمارات، يفضل كثير منهم مغادرة المنطقة مؤقتاً، ومتابعة التطورات من الخارج، ثم العودة بمجرد استقرار الأوضاع الأمنية واستئناف حركة النقل.

يصف خبراء هذا النموذج بما يشبه «هندسة التنقل»، حيث يحتفظ الفرد بقاعدة رئيسية لإدارة أعماله وثروته، إلى جانب مساكن وإقامات بديلة في دول أخرى، بما يمنحه مرونة عالية في التنقل عند الحاجة.

وفي هذا النموذج، تبقى الإمارات مقراً للشركات، والحسابات المصرفية، والعلاقات الاستثمارية، بينما تتوزع المساكن الثانية، والمدارس، وبعض أفراد الأسرة، والمستشارون القانونيون والماليون بين المملكة المتحدة وأوروبا ومراكز مالية أخرى.

تشير بيانات «فلامينغو كومبلاينس» إلى أن نحو 40% ممن غادروا الإمارات خلال فترة الاضطرابات زاروا أكثر من دولة واحدة، وهو ما يؤكد أن كثيراً من العائلات لم تكن تبحث عن مقر بديل دائم، بل عن حلول انتقالية إلى حين اتضاح المشهد.

لماذا تفوقت أوروبا على بريطانيا كوجهة مؤقتة؟

لم تكن المملكة المتحدة الوجهة الأولى لمعظم المغادرين، رغم ارتباطهم بها. فبحسب بيانات الشركة، توجه نحو 29% فقط مباشرة إلى المملكة المتحدة، بينما اختار حوالي 52% دولاً أوروبية، في حين توزع البقية بين آسيا وأميركا الشمالية ومناطق أخرى في الشرق الأوسط.

ولم يكن هذا الاختيار مرتبطاً بعامل واحد، إذ لعبت اعتبارات عملية دوراً أساسياً، مثل توافر الرحلات الجوية، والأوضاع الأمنية على مسارات السفر، إضافة إلى وجود منازل ثانية أو مدارس أو أفراد من العائلة في دول أوروبية.

لكن الاعتبارات الضريبية والهجرية كانت حاضرة أيضاً. فبالنسبة للمقيمين السابقين في المملكة المتحدة، قد يؤدي قضاء عدد إضافي من الأيام داخل البلاد إلى تغيير وضعهم الضريبي بموجب «اختبار الإقامة القانوني البريطاني» (Statutory Residence Test)، ولا سيما إذا كانوا يحتفظون بمسكن أو نشاط مهني أو روابط عائلية داخل بريطانيا، ما قد يجعل العودة المباشرة أكثر تعقيداً من الإقامة المؤقتة في دولة أوروبية أخرى.

القيود الضريبية وقوانين الشنغن للمقيمين البريطانيين

رغم أن أوروبا شكّلت ملاذاً مؤقتاً، فإنها لم تكن خياراً مفتوحاً بالكامل، فحاملو جوازات السفر البريطانية الذين لا يحملون تصاريح إقامة أوروبية أو تأشيرات طويلة الأجل، يخضعون لقاعدة الإقامة في منطقة شنغن، التي تسمح بالبقاء لمدة لا تتجاوز 90 يوماً خلال أي فترة متحركة مدتها 180 يوماً.

كما اختلفت مواقف الحكومات الأوروبية تجاه السفر إلى الإمارات خلال فترة التوترات. فبينما خففت المملكة المتحدة تحذيراتها، استمرت دول مثل أيرلندا وألمانيا وفرنسا في التوصية بتجنب السفر غير الضروري إلى الإمارات.

لا يقتصر أثر هذا التباين على المسافرين فحسب، بل يمتد إلى تغطية التأمين وسياسات الشركات الخاصة بسلامة الموظفين، خاصة لدى العائلات التي يحمل أفرادها جنسيات مختلفة أو يخضعون لمستشارين قانونيين وماليين في أكثر من دولة.

استقرار الأعمال والروابط الاقتصادية في الإمارات

تفسر قوة الروابط الاقتصادية سبب عودة غالبية المغادرين إلى الإمارات خلال فترة قصيرة. بالنسبة لكثير من البريطانيين المقيمين في الدولة، تمثل الإمارات مقر الشركات، والحسابات المصرفية، والعلاقات الاستثمارية، والشبكات المهنية، إضافة إلى الحياة الأسرية.

تؤكد المؤشرات الاقتصادية هذا الحضور المتنامي، حيث سجّلت «غرف دبي» وجود 10,334 شركة بريطانية حتى نهاية مارس، مقارنة بـ2,402 فقط في نهاية عام 2020، أي أكثر من أربعة أضعاف خلال أقل من خمس سنوات.

في الوقت نفسه، تشير تقديرات الحكومة البريطانية إلى أن أكثر من 5,000 شركة مسجلة في المملكة المتحدة تعمل داخل الإمارات، بينما يقيم فيها نحو 100 ألف مواطن بريطاني.

تشير هذه الأرقام إلى عمق الارتباط الاقتصادي بين الجانبين، بما يجعل نقل الأعمال أو تغيير مقر الإقامة الرئيسي قراراً يتجاوز الاعتبارات الأمنية المؤقتة.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ 3 ساعات
منذ ساعتين
منذ 11 ساعة
منذ 18 دقيقة
منذ 18 دقيقة
منذ 3 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 7 ساعات
قناة CNBC عربية منذ ساعة
الشرق بلومبرغ منذ 5 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 12 ساعة
صحيفة الاقتصادية منذ 23 ساعة
قناة CNBC عربية منذ ساعتين
الشرق بلومبرغ منذ 20 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 17 ساعة