مركز صناعي عالمي.. هل يصبح المغرب جسراً بين الصين والأسواق الغربية؟

تمنح إعادة تشكيل سلاسل توريد السيارات والتقنيات النظيفة المغرب فرصة اقتصادية تتجاوز استقطاب المصانع وزيادة الصادرات، لتضعه في موقع متقدم ضمن خريطة صناعية عالمية تتغير تحت ضغط المنافسة التجارية بين الصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

فالمملكة تجمع بين قاعدة صناعية متنامية، وموقع قريب من أوروبا، وشبكة واسعة من الاتفاقيات التجارية، إلى جانب بنية لوجستية تطورت خلال السنوات الماضية. وقد حولت هذه العناصر المغرب إلى وجهة جاذبة للشركات الدولية الباحثة عن مواقع إنتاج أكثر قرباً من الأسواق وأقل تعرضاً لاضطرابات سلاسل الإمداد.

وتكتسب هذه المزايا أهمية أكبر مع توسع الشركات الصينية خارج سوقها المحلية، خصوصاً في قطاعات السيارات الكهربائية والبطاريات والمواد المرتبطة بها. وبدلاً من النظر إلى هذه الاستثمارات باعتبارها مجرد انتقال لمصانع آسيوية، يسعى المغرب إلى توظيفها في بناء منظومة صناعية متكاملة تعزز المحتوى المحلي وتربطه بالأسواق الأوروبية والأميركية والإفريقية.

موجة الحر تضع شبكات الطاقة في المغرب العربي تحت الضغط

المميزات اللوجستية والاتفاقيات التجارية للمغرب

لا تقوم جاذبية المغرب على انخفاض تكاليف الإنتاج وحده، بل على قدرته على الجمع بين التصنيع والنفاذ إلى أسواق استهلاكية كبيرة. وترتبط المملكة باتفاق شراكة مع الاتحاد الأوروبي، إلى جانب اتفاقية تجارة حرة مع الولايات المتحدة دخلت حيز التنفيذ في يناير 2006، فضلاً عن علاقاتها التجارية المتنامية داخل القارة الإفريقية.

وتتيح هذه الشبكة للشركات التي تستثمر في المغرب فرصة بناء عمليات صناعية على الضفة الجنوبية للبحر المتوسط، بالقرب من أوروبا، مع الاستفادة من منظومة قائمة من الموانئ والطرق والمناطق الصناعية والموردين، بدلاً من تأسيس سلاسل إمداد جديدة بالكامل.

وبحسب أحدث بيانات «المفوضية الأوروبية»، بلغ حجم تجارة السلع بين المغرب والاتحاد الأوروبي 62.2 مليار يورو خلال عام 2025، منها 25.5 مليار يورو واردات أوروبية من المملكة و36.7 مليار يورو صادرات إليها. وتصدرت الآلات ومعدات النقل واردات الاتحاد من المغرب بقيمة 12.9 مليار يورو، بما يعادل أكثر من نصف تلك الواردات.

وتكشف هذه الأرقام أن المغرب أصبح جزءاً فعلياً من البنية الصناعية المرتبطة بالسوق الأوروبي، خصوصاً في قطاعات السيارات والمكونات الميكانيكية والكهربائية، وليس مجرد موقع مرشح لاستقبال مشروعات مستقبلية.

دوافع وأهمية الاستثمارات الصينية في قطاع السيارات الكهربائية

تبحث الشركات الصينية، في ظل تغير السياسات التجارية العالمية، عن فرص لتوسيع وجودها الإنتاجي خارج الصين والاقتراب من الأسواق النهائية، وهو ما عزز جاذبية المغرب بوصفه قاعدة تجمع بين البنية الصناعية والنفاذ التجاري والموقع الجغرافي.

وكان «مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية الأونكتاد» قد سلط الضوء على تنامي استثمارات سلاسل قيمة المركبات الكهربائية في المغرب، مشيراً إلى أن أحد أكبر المشروعات الاستثمارية المعلنة في إفريقيا تضمن إنشاء منشأة لإنتاج بطاريات السيارات الكهربائية بقيمة 6.4 مليار دولار.

ولا تقتصر أهمية هذه الاستثمارات على الأموال المعلنة أو الطاقة الإنتاجية المتوقعة، بل تمتد إلى قدرتها على توسيع قاعدة الموردين، وخلق طلب جديد على الخدمات الهندسية واللوجستية، ونقل المعرفة الصناعية، وفتح المجال أمام شركات مغربية للدخول في سلاسل القيمة المرتبطة بالتقنيات النظيفة.

ويرى تحليل صادر عن «تشاتام هاوس» (Chatham House) أن التعاون بين مستثمرين صينيين وشركات من كوريا الجنوبية وكندا وأستراليا في مشروعات البطاريات ومكوناتها يمنح المغرب فرصة للتحول إلى مركز صناعي وتجاري يربط أسواق الغرب بإفريقيا وآسيا. وأشار المعهد إلى أن هذه الاستثمارات يمكن أن تدعم طموح المملكة في ترسيخ مكانتها مركزاً عالمياً للصناعة والتجارة.

ساحة جامع الفنا بمدينة مراكش، المغرب، في 18 فبراير 2025.

شروط وقواعد المنشأ لتعزيز القيمة المضافة للصادرات

يبقى وصول المنتجات المصنعة في المغرب إلى الأسواق التي ترتبط بها المملكة باتفاقيات تفضيلية مرتبطاً باستيفاء قواعد المنشأ، التي تحدد نسبة التصنيع أو القيمة المضافة المتحققة محلياً.

ولا يعني إنشاء خط للتجميع النهائي داخل المملكة أن المنتج يصبح مغربياً تلقائياً، إذ قد تتطلب الاتفاقيات التجارية إجراء تحول صناعي جوهري، أو تحقيق نسبة محددة من القيمة المحلية، أو تقديم وثائق تثبت مصدر المكونات والمواد المستخدمة.

لكن هذه القواعد يمكن أن تمثل حافزاً لتعميق الصناعة، بدلاً من النظر إليها باعتبارها عائقاً أمام الاستثمار. فكلما توسعت شبكة الموردين المحليين وارتفعت حصة المكونات المنتجة داخل المغرب، زادت قدرة الصادرات على الاستفادة من الاتفاقيات التجارية وتعززت مساهمة الاستثمارات الأجنبية في الاقتصاد المحلي.

ومن هنا، تستطيع الرباط استخدام موقعها التجاري لتشجيع الشركات على نقل مراحل إضافية من الإنتاج، تشمل تصنيع المكونات والمواد الوسيطة والبرمجيات والخدمات الفنية، بدلاً من الاكتفاء بعمليات التجميع.

دور الطاقة المتجددة والمعايير البيئية في تعزيز التصنيع الأخضر

لا تتوقف المنافسة في السوق الأوروبية على السعر والمنشأ، بل تمتد إلى البصمة الكربونية للمنتجات، ومصدر الطاقة المستخدمة في تصنيعها، وإمكانية تتبع المواد الخام، ومدى الامتثال لمتطلبات إعادة التدوير.

وتفرض تشريعات البطاريات الأوروبية التزامات متدرجة تتعلق بالإفصاح عن البصمة الكربونية والعناية الواجبة في سلاسل التوريد، وهي معايير ستؤثر في قرارات الشركات المتعلقة بمواقع إنتاج البطاريات ومكوناتها.

وبالنسبة إلى المغرب، قد تفتح هذه المتطلبات نافذة إضافية للاستفادة من توسعه في مشروعات الطاقة المتجددة. فإتاحة كهرباء منخفضة الانبعاثات للمصانع يمكن أن تمنح المنتجات المغربية ميزة داخل أسواق أصبحت الكلفة الكربونية فيها جزءاً من حسابات التنافسية.

وأكد البنك الدولي (World Bank) أن حصول الشركات المغربية على كهرباء أنظف من شأنه تعزيز قدرتها على المنافسة في الأسواق الدولية التي تولي أهمية متزايدة لسلاسل الإمداد منخفضة الكربون.

وبذلك، لا يصبح التحول الأخضر مجرد التزام بيئي، بل أداة صناعية وتجارية يمكن للمغرب استخدامها لجذب الاستثمارات التي تبحث عن مواقع إنتاج قادرة على تلبية المعايير الأوروبية المقبلة.

المغرب يتحدى «الانكماش الإقليمي».. ما عوامل «الطفرة الاستثمارية»؟

أهمية بناء منظومة صناعية متكاملة ومستدامة

لا تخلو البيئة التجارية العالمية من التدقيق في الدعم الحكومي وهيكل ملكية الشركات ومصادر المكونات، خصوصاً في القطاعات التي تعدها الدول الغربية استراتيجية، مثل السيارات الكهربائية والبطاريات والمعادن الحيوية.

غير أن ذلك لا يقلل من جاذبية المغرب، بل يرفع أهمية بناء منشأ صناعي واضح وقابل للتوثيق. فامتلاك موردين محليين، ومراكز للبحث والتطوير، وخدمات هندسية، وقدرات على تصنيع المكونات، يمنح الصادرات المغربية حماية أكبر من تغير السياسات التجارية مقارنة بمشروعات تعتمد بصورة شبه كاملة على المدخلات المستوردة.

ويشير تقرير للبنك الدولي إلى أن المغرب يستطيع تسريع النمو واستقطاب استثمارات خاصة إضافية من خلال إصلاحات تعزز المنافسة وتحسن بيئة الأعمال وترفع إنتاجية الشركات. كما قدر البنك أن الإصلاحات المقترحة في عدد من القطاعات قد تحفز استثمارات خاصة تصل إلى 7.4 مليار دولار وتولد أكثر من 166 ألف وظيفة على المدى المتوسط.

ويمثل تدفق الاستثمارات الصينية فرصة لدعم هذه الأهداف، خصوصاً عندما يرتبط بشروط تعزز المحتوى المحلي، وتنقل التكنولوجيا، وتدرب العمالة، وتتيح للشركات المغربية الاندماج في شبكات الإنتاج الدولية.

مستقبل المغرب كجسر تجاري وصناعي بين الشرق والغرب

يحافظ المغرب على علاقات اقتصادية وثيقة مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، بالتزامن مع توسيع تعاونه الاستثماري مع الصين. وهذه المعادلة لا تضعه بالضرورة أمام خيار بين طرفين، بل تمنحه فرصة لتقديم نفسه قاعدة صناعية منفتحة على رؤوس الأموال والأسواق المختلفة.

ويعتمد نجاح هذا النموذج على قدرة المملكة على ضمان شفافية المنشأ، والالتزام بالمعايير التجارية والبيئية، وتحويل الاستثمارات الأجنبية إلى قيمة محلية قابلة للاستمرار.

فالمكسب الحقيقي لن يُقاس بعدد المصانع التي تُفتتح أو بقيمة المشروعات المعلنة فقط، وإنما بحصة المكونات المصنعة محلياً، وعدد الموردين المغاربة الذين يدخلون سلاسل الإنتاج، وحجم التكنولوجيا والخبرات التي تستقر داخل الاقتصاد.

وإذا نجح المغرب في ذلك، فلن يكون مجرد بوابة تمر عبرها السلع الصينية نحو الأسواق الغربية، بل مركزاً صناعياً يربط رؤوس الأموال الآسيوية بالخبرة المحلية والطلب الأوروبي والأميركي والإفريقي.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ 5 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 6 ساعات
الشرق بلومبرغ منذ 3 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 22 دقيقة
قناة العربية - الأسواق منذ 7 ساعات
الشرق بلومبرغ منذ 4 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 8 دقائق
فوربس الشرق الأوسط منذ ساعتين
الشرق بلومبرغ منذ 11 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 5 ساعات