في تسعينيات القرن الماضي، برزت سنغافورة بوصفها واحدة من أبرز التجارب الاقتصادية في العالم، ليس لأنها نجحت في زيادة الإيرادات الحكومية فحسب، بل لأنها تبنت نموذجًا اقتصاديًا ركز على بناء اقتصاد تنافسي قائم على المعرفة والابتكار والإنتاجية. فقد استثمرت في رأس المال البشري، وطورت منظومتها التعليمية، واستقطبت الاستثمارات النوعية، ورسخت مكانتها مركزًا عالميًا للخدمات المالية واللوجستية والصناعات المتقدمة. ومع اتساع النشاط الاقتصادي وارتفاع إنتاجية الشركات، نمت الإيرادات الحكومية بصورة طبيعية، لتصبح انعكاسًا لقوة الاقتصاد، لا مجرد نتيجة لأدوات التحصيل المالي.
وتقدم هذه التجربة درسًا اقتصاديًا مهمًا؛ إذ تشير تجارب الدول إلى أن جودة الإيرادات غير النفطية لا تُقاس بحجمها فقط، بل بجودة الاقتصاد الذي يولدها. فكلما كان الاقتصاد أكثر إنتاجية وتنافسية وقدرة على إيجاد القيمة، أصبحت الإيرادات الحكومية أكثر استدامة، لأنها تعكس نشاطًا اقتصاديًا حقيقيًا لا مجرد توسع في أدوات التحصيل المالي.
ولذلك، فإن تنويع الإيرادات لا يتحقق بمجرد تعدد مصادر الدخل، وإنما ببناء اقتصاد تتوسع فيه القاعدة الإنتاجية، وترتفع فيه الإنتاجية، وتزداد فيه مساهمة القطاعات القادرة على المنافسة. فالقاسم المشترك بين التجارب الاقتصادية الناجحة أن الإيرادات المستدامة لم تكن نقطة البداية، بل جاءت نتيجة طبيعية لاقتصاد منتج يولد القيمة المضافة ويحفز الاستثمار والابتكار.
وفي السياق ذاته، شهدت السعودية منذ إطلاق رؤية السعودية 2030 إصلاحات اقتصادية وهيكلية واسعة، كان من أبرز نتائجها نمو الإيرادات غير النفطية الحكومية، بما يظهر التقدم في تنويع القاعدة الاقتصادية وتعزيز الاستدامة المالية. فقد ارتفعت الإيرادات غير النفطية من نحو 166 مليار ريال في 2015 إلى أكثر من 505 مليارات ريال في 2025، بزيادة تجاوزت 200% خلال عقد واحد، وهو ما يمثل أحد أبرز مؤشرات التحول الاقتصادي في السعودية.
وقد جاء جانب مهم من هذا النمو نتيجة الإصلاحات المالية التي نُفذت ضمن برنامج التوازن المالي، ثم برنامج الاستدامة المالية، وفي مقدمتها تطبيق ضريبة القيمة المضافة بنسبة 5% في 2018، ثم رفعها إلى 15% في 2020، إلى جانب تطوير كفاءة التحصيل وتنويع مصادر الإيرادات الحكومية. وأسهمت هذه الإصلاحات في تعزيز الاستدامة المالية وتقوية المركز المالي، وأصبحت الإيرادات غير النفطية تمثل ركيزة أساسية في هيكل الإيرادات الحكومية.
ولا يقتصر تحليل الإيرادات غير النفطية على متابعة نموها الكمي، بل يمتد إلى فهم العوامل الاقتصادية التي تسهم في استدامتها. فكلما ارتبط نمو الإيرادات باتساع النشاط الاقتصادي، وارتفاع الإنتاجية، وتعزيز القدرة التنافسية، ازدادت قدرتها على دعم الاستدامة المالية على المدى الطويل. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى نمو الإيرادات غير النفطية بوصفه نتاجًا لتكامل الإصلاحات المالية مع توسع النشاط الاقتصادي.
ومن هنا ينتقل النقاش الاقتصادي إلى مستوى أكثر عمقًا؛ فلم يعد يقتصر على متابعة نمو الإيرادات غير النفطية، بل يمتد إلى دراسة العوامل الاقتصادية التي تسهم في استدامتها، ومدى ارتباطها بالإنتاجية والقدرة على إيجاد القيمة.
وهنا يبرز مفهوم جودة الإيرادات غير النفطية، الذي يمكن النظر إليه بوصفه قدرة الاقتصاد على توليد إيرادات ناتجة عن أنشطة إنتاجية ترفع الناتج المحلي، وتعزز الإنتاجية، وتوفر وظائف ذات قيمة مضافة. وبمعنى آخر، فإن جودة الإيرادات تُقاس بمصدرها قبل حجمها. فليست جميع الإيرادات تحمل الأثر الاقتصادي نفسه؛ فالإيرادات التي تتولد من توسع الصناعة، ونمو الصادرات، وارتفاع إنتاجية الشركات، واستحداث أنشطة اقتصادية جديدة، توفر قاعدة اقتصادية أكثر استدامة، حتى وإن كانت.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الاقتصادية
