عندما ينطلق قارب في عرض البحر، لا يفكر قائده في الوصول إلى وجهته فحسب، بل في كيفية العودة أيضاً. ففي البحر، لا توجد محطة وقود عند المنعطف التالي، ولا يمكن الاعتماد دائماً على الظروف التي بدأت بها الرحلة. ولهذا، لا يُنظر إلى الوقود باعتباره مجرد وسيلة لتشغيل المحرك، بل كجزء أساسي من منظومة السلامة البحرية، وهو ما يفسر اعتماد البحارة منذ سنوات على ما يُعرف بـ"قاعدة الثلث".
وتقوم هذه القاعدة على تقسيم الوقود إلى ثلاثة أجزاء متساوية: ثلث للذهاب، وثلث للعودة، وثلث يُحتفظ به احتياطياً للطوارئ. ورغم بساطة الفكرة، فإنها أصبحت من أساسيات التخطيط للرحلات البحرية، سواء في القوارب الترفيهية أو لدى كثير من البحارة المحترفين، لأنها تقوم على مبدأ الاستعداد للمتغيرات، لا على افتراض أن كل شيء سيسير كما هو مخطط له.
ليست مصادفة.. ما الذي يحدد جهة فتحة الوقود في السيارات؟
لماذا لا تكفي حسابات الوقود وحدها؟
على الطرق البرية، يستطيع السائق غالباً العثور على محطة وقود إذا انخفض مستوى الوقود في الخزان. أما في البحر، فالأمر مختلف تماماً، إذ قد تكون أقرب نقطة للتزود بالوقود على بعد عشرات أو حتى مئات الكيلومترات، ما يجعل أي خطأ في الحسابات أكثر خطورة. كما أن استهلاك الوقود في القوارب لا يبقى ثابتاً طوال الرحلة، بل يتأثر بعوامل عديدة مثل حالة البحر، وارتفاع الأمواج، واتجاه الرياح، والتيارات البحرية، وعدد الركاب، وحمولة القارب، وحتى أسلوب القيادة. ولهذا، قد تختلف كمية الوقود المستهلكة بشكل ملحوظ عن التقديرات الأولية. فعلى سبيل المثال، قد تستغرق رحلة الذهاب ساعة واحدة في ظروف بحرية هادئة، فيما تستغرق العودة وقتاً أطول إذا تغير اتجاه الرياح أو اشتدت الأمواج، وهو ما يعني استهلاك كمية أكبر من الوقود مقارنة بما كان مخططاً له قبل الانطلاق.
الثلث الأخير.. هامش أمان لا رفاهية
لهذا السبب، لا يُنظر إلى الثلث الأخير من الوقود على أنه كمية يمكن استهلاكها إذا سارت الرحلة على ما يرام، بل باعتباره هامش أمان مخصصاً للتعامل مع الظروف غير المتوقعة. فقد يضطر قائد القارب إلى تغيير مساره بسبب سوء الأحوال الجوية، أو التوجه إلى ميناء مختلف، أو تشغيل المحرك لفترة أطول أثناء المناورة أو الانتظار، أو التعامل مع ظرف طارئ يتطلب البقاء في البحر أكثر من المتوقع. وفي جميع هذه الحالات، يصبح الوقود الاحتياطي عاملاً أساسياً في الحفاظ على سلامة الرحلة.
أول رحلة لـ Citation CJ3 Gen3.. سيسنا تعيد تعريف الطائرات الخفيفة
السلامة قبل الكفاءة
على الرغم من التطور الكبير في أجهزة الملاحة، وأنظمة تحديد المواقع، وتطبيقات الطقس، فإنها لا تلغي أهمية قاعدة الثلث. فهذه التقنيات تساعد على اتخاذ قرارات أفضل، لكنها لا تستطيع تغيير اتجاه الرياح، أو تهدئة الأمواج، أو منع الأعطال المفاجئة. ولهذا، توصي هيئات السلامة البحرية وخبراء الملاحة بالتخطيط السابق لكل رحلة، ومعرفة معدل استهلاك القارب، واحتساب مسافة الذهاب والعودة بدقة، مع الاحتفاظ دائماً باحتياطي مناسب من الوقود، بدلاً من الاعتماد على الحسابات النظرية وحدها.
2.5 مليون دولار ثمن Blackbird.. "هينيسي" تعيد تعريف السيارات الخارقة
درس يتجاوز عالم القوارب
تكشف قاعدة الثلث أن إدارة الوقود في البحر ليست مسألة اقتصادية، بل ثقافة قائمة على إدارة المخاطر والاستعداد لما قد يحدث قبل وقوعه. فبينما يحاول سائق السيارة غالباً استغلال أكبر قدر ممكن من الوقود داخل الخزان، يتعامل قائد القارب مع جزء من هذا الوقود على أنه عنصر أمان لا يجوز المساس به إلا عند الضرورة. ولهذا، لم تبقَ قاعدة الثلث مجرد نصيحة متوارثة بين البحارة، بل أصبحت مبدأ عملياً أثبت فعاليته عبر عقود من الملاحة. وفي البحر، لا يُقاس نجاح الرحلة بكمية الوقود التي استهلكتها، بل بالوقود الذي احتفظت به عندما احتجت إليه. وربما لهذا السبب، ورغم كل ما شهدته القوارب الحديثة من تطور في المحركات وأنظمة الملاحة، ما زالت هذه القاعدة البسيطة واحدة من أهم قواعد السلامة البحرية وأكثرها حضوراً.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس
