كل عصر يكثر فيه الضجيج، يزداد احتياج الناس إلى الوجوه التي تشبه المطر بعد طول جدب، وإلى الأرواح التي لا تدخل القلوب باستئذان الكلمات، بل بإذن الله ثم بما تحمله من صدقٍ ورحمةٍ وصفاء. فليس كل من ابتسم طيبًا، ولا كل من أحسن الحديث صادقًا، ولكن هناك بشر إذا رأيتهم شعرت أن في الدنيا بقيةً من الخير، وأن الفطرة ما زالت تنبض في قلوب العباد، وأن الله سبحانه لا يزال يكرم هذه الأرض برجالٍ ونساءٍ جعل في أخلاقهم سكينةً، وفي تعاملهم رحمةً، وفي حضورهم راحةً لا تُشترى بمال ولا تُكتسب بتصنع. هؤلاء هم الطيبون الذين تعرفهم الأرواح قبل الأعين، وتأنس بهم القلوب قبل أن تسمع أسماءهم، وكأن الله سبحانه جعل لهم علامةً خفيةً لا يدركها إلا من سلم قلبه من الأحقاد وسوء الظنون.
تعرف الطيبين من سيماهم، لهم وجوهٌ يكسوها الوقار، وملامح يزينها الصدق، وحضورٌ يطفئ شيئًا من عناء الأيام. لا يرفعون أصواتهم ليُسمعوا الناس، ولا يزاحمون ليكونوا في المقدمة، ولا يتسابقون إلى صناعة الصورة، لأنهم مشغولون بصناعة الأثر. وإذا صافحت أحدهم شعرت أن الدنيا لم تفقد إنسانيتها بعد، وأن الخير لا يزال حيًا بين الناس مهما كثرت الفتن وتعاظمت المغريات.
قال الله تعالى: ﴿سيماهم في وجوههم﴾، ولم يجعل سبحانه السيما في ثيابٍ فاخرة، ولا في ألقابٍ رنانة، ولا في مظاهر تخدع الأبصار، وإنما جعلها أثرًا من آثار الإيمان والعمل الصالح. فالوجه قد يشيخ، والجسد قد يضعف، لكن نور القلب إذا أكرم الله به عبدًا بقي يفيض على قسماته، ويظهر في منطقه، ويستقر في تصرفاته.
وقال رسول الله ﷺ: «إنّ الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». فكم من إنسانٍ بهر الناس بجمال صورته، ثم نفروا من قسوة قلبه، وكم من آخر لم يكن يملك شيئًا من زينة الدنيا، لكنه ملك قلوب الخلق بحسن خلقه ولين جانبه.
ومن عجائب زماننا أن بعض الناس يقضي ساعاتٍ طويلةً في تعديل صورته قبل نشرها، ثم لا يقضي دقيقةً واحدةً في إصلاح خلقٍ يجرح به الناس كل يوم. أصبحنا نعيش زمنًا تُلمَّع فيه الشاشات أكثر مما تُنقَّى فيه القلوب، حتى خُيّل للبعض أن الفلاتر الإلكترونية تستطيع أن تمنح الإنسان قبولًا حقيقيًا، بينما القبول هبةٌ من الله وحده، يضعها فيمن أخلص له، وأحسن إلى عباده، وصدق في معاملته.
وقد قال سقراط: «تكلم حتى أراك». وهي كلمة تختصر حقيقة الإنسان؛ فالألسنة مرايا القلوب. أما كونفوشيوس فقال: «الرجل العظيم يجعل الآخرين يشعرون بالأمان». وما أبلغها من حكمة؛ فالطيب لا يمنح الناس مالًا.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية
