صالح حمدوني تتطرق الرواية إلى واحدة من أكثر القضايا الإنسانية والسياسية تعقيداً في التاريخ المعاصر، الشتات الفلسطيني وإعادة تشكّل الهوية عبر الزمن والجغرافيا. عبر مرور أجيال تتدفق أحداثها من عقد السبعينيات وصولاً إلى أعتاب الانتفاضة الأولى عام 1987، يرصد النص سيرورة التشتت لعائلة فلسطينية اقتُلعَت من قريتها الأصلية (العباسية) ومدينة (يافا)، لتتفرق بين مخيمات اللجوء (الوحدات، عقبة جبر، بلاطة)، والداخل المحتل عام 1948، وساحات الشتات في لبنان وتونس.
تستمد هذه الدراسة النقدية أهميتها من كون العمل يطرح مقاربة نفسية وفلسفية تحاول تفسير صمود الهوية الوطنية وانتقالها عبر الأجيال، متوسلاً بأساليب تدمج بين الواقعية التسجيلية والرمزية الجيوسياسية.
الفكرة الجوهرية والمقولات الفلسفية والسياسية
تُشكّل مقولة وراثة الذاكرة والجذور النواة الصلبة لمعمار النص الفكري. يطرح الكاتب فرضية أن الهوية الوطنية هي نتاج تراكم معرفي واستذكار عاطفي، ونسيج سلوكي (جينات فولاذية) يُورّث قسراً من الآباء للأبناء ليضمن بقاء الفردوس المفقود حياً في الوجدان الجمعي.
تتحول الاستعارة الجينية هنا إلى مفهوم سوسيولوجي يفسر استمرار الفعل النضالي؛ إذ يثبت جيل الأحفاد الذي لم يرَ يافا أنه الأكثر اندفاعاً وحفاظاً على جذوة المقاومة: "أحفاد الشيخ يوسف وأحفاد أولاد عمومته فتحي وصبحي، هم أول جيل في سلسلة الجينات الجديدة التي سوف تبنى من جديد بعيداً عن تاريخها المجيد في قرية العباسية ومدينة يافا... لكن هذا الجيل كان يدرك بأن ما طرأ على جيناته من تغييرات لن ينتزع جيناته الأصلية مهما حدث. وستظل فلسطين بالنسبة لهم مركز الكون والعباسية فردوسهم المفقود".
من جانب آخر، تُقدم الرواية رؤية حيوية للمخيم؛ إذ يخرج من أطر الرثاء البكائية ليتحول إلى مختبر اجتماعي وبؤرة إنتاج طبقي تُعيد خلق أدوات الحياة. يتتبع النص كيف استطاع الجيلان الثاني والثالث انتزاع أدوات العيش عبر التسلح بالتعليم والتمكين المهني الاستقلالي، ليعملا كبدائل إستراتيجية للأرض المفقودة وسلاح ضد ممارسات التذويب: "كل من أقام في المخيم، أو عبَر شوارعه، يمتلك سبع صنائع على الأقل، أو شهادة أو أكثر من الشهادات العلمية... قَدّ هؤلاء من الصخر أحلامهم بالانتقال إلى حياة أخرى، صمموها بمخالبهم، صار المخيم مركزاً لعالم كبير، تتنوع فيه الحيوات وترتفع فيه الآمال، وتسيطر على أبطاله جينات الأمل الفولاذية".
تقدم الرواية قراءة لآليات الهيمنة وتدمير البُنى الوطنية، مُقدّمة نموذجین متوازيين: نموذج شخصية سام (وتمثل البعد الجيو-اقتصادي العالمي): ويُجسّد اختزالاً رمزياً للقوى الرأسمالية والاستعمارية الغربية.
النص يرصد تحول الاستعمار من السيطرة المباشرة إلى الهيمنة الناعمة القائمة على تحويل المجتمعات إلى كائنات استهلاكية غير منتجة وتدمير أمنها الغذائي الوطني عبر إغراق.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية
