مع إعلان نتائج الثانوية العامة، انشغلنا، كعادتنا بالنتائج والنِّسب والمُعدّلات، وبأسماء المتفوّقين، وأينَ ذهبَ "العُشر" الذي فقدتّه الأولى على المملكة، وبالفرحة الّتي تعمّ البيوت، وبالقلق الذي يُرافق الأُسر وهي تُفكِّر في التخصُّص والجامعة ومُستقبل أبنائها.
وهذا طبيعيٌّ ومشروع. لكن، وراء هذه اللَّحظة الاحتفاليّة سؤالٌ أكبر بكثير من سؤال المُعدّل والتخصُّص، على أهميّتهُما، وهو:
ماذا نريد من جامعاتنا أن تفعلَ بشابّاتنا وشبابنا بعد أن يدخلوا أبوابها..؟! فالشّابات والشّباب الذينَ نحتفلُ اليوم بنجاحهم في الثانوية العامة سيدخلونَ غدًا عالما مُختَلفًا تمامًا عمّا كانوه. سيدخلونَ الجامِعة في زمن لم تعُد فيه المعرفة مِلكًا للجامعة، ولا الدّكتور هو المصدر الوحيد لها، ولا الكتاب الورقيّ مستودعها الأساسيّ. فالمعلومة مُتاحةٌ في كُلِّ مكان، والمعرفةُ تتضاعف بسُرعةٍ هائلة، والذكاء الاصطناعي يُعيد تشكيل علاقة الإنسان بالتعلُّم والعمل، والمنصّات الرقمية تضع أمام الشاب في ساعات ما لم يكن مُتاحًا لأجيالٍ سابقة في سنوات.
لذلك، فإنَّ التحدّي الحقيقيّ أمام الجامعة لم يَعد أن تعطي الطالبَ أكبرَ قدرٍ مُمكن من المعلومات، وإنّما أن تُساعده على أن يُصبح قادرًا على التعامُل مع عالمٍ فائضٍ بالمعلومات والخيارات والتناقُضات.
نحن بحاجةٍ إلى جامعاتٍ تعلّم الطالب كيف يُفكر، لا فقط ماذا يُفكّر، جامعاتٍ تُدرّبه على التحقُّق من المعلومات، وفحص المصادر، وتمييز الحُجّة من الادّعاء، والدّليل من الانطباع، والمعرفةُ من التضليل، وتجعله قادرًا على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي دون أن يتحوّل إلى تابعٍ لها أو مُستهلكٍ أعمى لما تُنتِجه.
لكنني أظُنّ أنَّ هناك مُهمة أُخرى لا تقلّ أهميّة، وربما هي أكثر إلحاحًا في مُجتمعاتنا العربيّة اليوم، ألا وهي أن نُدرِك حقيقة أنّ الجامعات لَم تعُد مصنعًا لإنتاج الشهادات والموظفين فقط، فهي اضحَت من أعظَم المساحات الّتي يُكوّن فيها الإنسان القادِر على العَيش مع الآخرين وإدارة الاختِلاف والمُشارَكة في الشأن العام بصورةٍ مسؤولة.
فمَن يدخُل الجامعة، ذكورًا وإناثًا، في الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة من عُمره، لا يحتاج فقط إلى أن يتعلَّم تخصُّصه الأكاديميّ... يحتاج أيضًا إلى أن يتعلَّم كيف يعمل مع شخصٍ يختلف عنهُ، وكيف يدير خلافًا دون أن يُحوِّله إلى عداوة، وكيف يُعبّر عن رأيه دون إهانة، وكيف يستمع إلى حُجةٍ لا تُعجِبه، وكيف يتفاوض، وكيف يبحث عن حُلولٍ وسط، وكيف يتحمّل مسؤوليّة قراراته، وكيف يعترف بالخطأ ويُصحِّحه.
نحنُ نحتاج إلى جامعاتٍ تجعل الحوار مهارة تُمارس، لا قيمة تُكتب في دليل الطالب، وتجعل العمل الجماعيٍ تجربة حقيقيّة، لا مُجرّد عنوان في مساق، وتجعل حلّ المُشكلات والتفاوض والوساطة والتواصُل والتفكير النقديّ والمسؤوليّة الاجتماعيّة جُزءًا أصيلًا من التجربة الجامعيّة، لا نشاطاتٍ هامشيّة تُضاف إلى البرنامج الأكاديميّ حين يتوفر الوقت.
ولعلنا نحتاج، بصورةٍ خاصة، إلى إعادة الاعتبار إلى مفهوم ما يُمكن أن أسمّيه ب "التعليم المدني" داخل الجامعة. فالجامعةُ تجمع طُلابًا من خلفيّاتٍ اجتماعيّة واقتصاديّة ومناطقيّة وثقافية وفكريّةٍ مُختلفة. وهذه ليست مُشكلة ينبغي التخلُّص منها، بل فرصة تعليميّة هائلة.
فماذا لو تعلّم الطالب داخل الجامعة كيف يحوّل الاختلاف إلى معرفة..؟! كيف يستفيد من شخصٍ يختلف عنه بدلًا من أن يخشاه..؟! كيف يدير نقاشًا سياسيًّا أو اجتماعيًّا حادًا دون تخوينٍ أو شتيمة..؟! كيف يختلف مع زميله دون أن يقطع علاقته به..؟!كيف يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بمسؤولية...؟! كيف يواجه خطاب الكراهيّة والتنمُّر والتحريض..؟! كيف يتعامل مع النزاع، أيّا كان، بطريقةٍ لا عنفيّة، سواء كان النزاع وجهاً لوجه أو عبر الهاتف أو على منصةٍ رقمية..؟!
ودعني، أخي القارئ، أستبقُ عليكَ ما ستفكّر بقولِه: "هذه مهاراتٌ ثانوية"..لا، على الإطلاق...إنّها مهاراتٌ أسياسيّة، يحتاجها سيحتاجها الطالِب كُلّ يوم بعد تخرُّجه، وربما أكثر ممّا سيحتاج كثيرًا من التفاصيل الّتي حفظها من أجلِ امتحانٍ ثمّ نسيها.
ولهذ،ا أعتقدُ أنّ.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من جو ٢٤
