اتفاق مكة وهندسة الغموض. مقال د.عبدالله سرور الزعبي

في السابع من أغسطس 2026، في قصر الصفا بمكة المكرمة، لم يوقّع الأمير محمد بن سلمان، والرئيس أردوغان، ورئيس الوزراء شهباز شريف وثيقة عسكرية عابرة، بل أعادوا طرح سؤال قديم بصياغة جديدة: هل يمكن لثلاث دول تنتمي إلى منظومات أمنية متباينة كليا أن تصنع تحالف ردع حقيقيا، أم أنها وقّعت على غموض إستراتيجي يُشبه الردع أكثر مما يُطبّقه؟

فالسعودية مرتبطة بمظلة أمنية أميركية ضمنية وتحالفات خليجية، وتركيا عضو في الناتو وملتزمة بالمادة الخامسة تجاه حلف مختلف تماما في هويته وجغرافيته، وباكستان قوة نووية محاصرة بين الهند والصين وأفغانستان، بعقيدة أمنية صيغت بمعزل عن الشرق الأوسط. ثلاث دول تدور حول ثلاثة مراكز جاذبية مختلفة، ومع ذلك اجتمعت على نص يقول إن أي هجوم على واحدة منها هو هجوم على الجميع. فالسؤال الأعمق ليس: "هل سينجح هذا التحالف؟"، بل: أي نوع من التحالفات هذا أصلا؟ هل نحن أمام حلف بالمعنى الكلاسيكي، أم أمام شكل جديد كليا من الهندسة الأمنية لم تألفه المنطقة من قبل؟

النموذج التقليدي لأي تحالف يقوم على افتراض ضمني: أن الأعضاء يواجهون تهديدا مشتركا واضح المعالم، وأن الالتزام التلقائي بالدفاع المتبادل هو الرادع الأقوى. لكن اتفاق مكة لم يُبنَ على هذا الافتراض؛ فتهديدات كل طرف مختلفة جوهريا: الحوثيون، وأمن البحر الأحمر، ومضيق هرمز بالنسبة إلى الرياض؛ وإسرائيل، وشرق المتوسط، وملفات ليبيا والسودان والصومال بالنسبة إلى أنقرة؛ والهند، وكشمير، وأفغانستان بالنسبة إلى إسلام آباد.

ولذلك جاء النص خاليا عمدا من آليات التفعيل التلقائي، وهيكل قيادة موحد، وجداول زمنية. وهذا ليس قصورا في الصياغة، بل جوهر التصميم نفسه: اتفاق مكة ليس حلفا يُشغَّل آليا كالمادة الخامسة في الناتو، بل "منظومة ردع بالغموض المحسوب"، حيث القوة لا تأتي من وضوح الالتزام، بل من عدم يقين الخصم حيال حدوده. فلا يستطيع الخصم أن يفكر في التصعيد المباشر أو عبر الوكلاء، ولا أن يعرف أين يمكن أن تبدأ الاستجابة الجماعية وأين تنتهي، وهذا الغموض بحد ذاته يرفع كلفة أي مغامرة.

والبعد الأكثر إثارة للجدل هو "الظل النووي الباكستاني"؛ فخلافا للاتفاقية الثنائية السابقة بين الرياض وإسلام آباد، المرتبطة ضمنيا بالقدرة النووية، لم يتضمن نص مكة أي إشارة صريحة إلى السلاح النووي، لأن السعودية وتركيا، بوصفهما دولتين موقّعتين على معاهدة عدم الانتشار، لا يمكنهما قانونيا القبول بمظلة نووية معلنة. لكن حقيقة أن باكستان قوة نووية تقف الآن داخل بنية دفاعية مع الرياض وأنقرة تُدخل، شاء الطرفان أم أبيا، عاملا نوويا في حسابات أي خصم، من دون تعهد صريح.

والفارق بين "المظلة النووية" و"الظل النووي" هو الفارق بين التزام معلن يحمل تبعات قانونية، وتأثير نفسي-إستراتيجي يعمل في الخلفية دون أن يُذكر بالاسم؛ وهذا النموذج، إذا صمد، قد يصبح سابقة عالمية: كيف تستفيد دول غير نووية من قرب حليف نووي دون الدخول في التزامات الانتشار، عبر هندسة الغموض بدل هندسة الإعلان.

غير أن التحدي الأعمق هو "مشكلة العلاقات المتعددة والمتنافسة": كل طرف مرتبط بمنظومة أمنية أخرى قد تتعارض مع التزامات مكة. فتركيا عضو في الناتو، وأي تصعيد يضعها أمام موازنة حساسة بين حلفها الأطلسي والتزامها المكي. والسعودية تبقى شريكا إستراتيجيا للولايات المتحدة، ولن تجعل من مكة بديلا عن هذه الشراكة، بل مكمّلا يمنحها أوراق تفاوض إضافية أمام واشنطن. أما باكستان، فمصالحها الوجودية تبقى في جنوب آسيا، وأي جرّ لها إلى نزاع في الخليج سيصطدم بحسابات إسلام آباد الداخلية وعلاقتها المعقدة بالصين.

فهذا التحالف ليس كتلة متجانسة بقدر ما هو تقاطع محسوب بين ثلاث دوائر أمنية أوسع، وقوته الحقيقية لن تُقاس بتطابق مصالح أعضائه، بل بقدرته على إدارة هذا التعدد دون أن ينفجر من الداخل، تماما كما لا تُقاس قوة الدولة بغياب الاختلاف فيها، بل بقدرتها على إدارته دون أن يتحول إلى انقسام.

وهنا قد يبرز تصور استشرافي: فاتفاق مكة، في مساره الأرجح، لن يتطور إلى حلف عسكري صلب بقيادة موحدة وقوات مندمجة على طراز الناتو، لأن بنيته لا تحتمل ذلك، بل سيتطور نحو "منظومة ردع جيواستراتيجية مُقسّمة إلى وحدات"، حيث يتفعّل كل بُعد من التعاون بشكل منفصل بحسب الحاجة: تصنيع دفاعي هنا، وتبادل استخباراتي هناك، وتدريبات مشتركة في ملف، ورد سياسي موحد في آخر، دون التزام عسكري شامل بالضرورة.

هذا النموذج سيمنح التحالف مرونة تفوق الأحلاف التقليدية، لكنه سيبقى عرضة لاختبار حقيقي واحد يحدد مصيره؛ فعندها فقط سيُعرف إن كان الغموض إستراتيجية ردع ناجحة أم تأجيلا لسؤال لم يُحسم بعد.

ويبقى السؤال: ماذا عن مصر؟ وفي حال انضمام مصر كطرف رابع، وهو ما سيغيّر طبيعة التحالف جذريا، فمصر لها.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الغد الأردنية

منذ 10 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 9 ساعات
خبرني منذ 5 ساعات
وكالة عمون الإخبارية منذ 19 ساعة
قناة المملكة منذ 8 ساعات
خبرني منذ 20 ساعة
قناة رؤيا منذ 17 ساعة
وكالة عمون الإخبارية منذ 21 ساعة
قناة رؤيا منذ 21 ساعة
صحيفة الغد الأردنية منذ 11 ساعة