تتجه الجزائر إلى توسيع حضورها في الأسواق الإفريقية عبر تنويع صادراتها خارج المحروقات التقليدية، مستفيدة من قدراتها في قطاع التكرير وإنتاج وقود الطائرات، وكان التوجه نحو النيجر محاولة لتحويل القرب الجغرافي إلى ميزة تجارية، وتعزيز الإيرادات، وفتح مسارات جديدة أمام صادراتها في القارة.
وبحسب خبراء في سلاسل التوريد والاقتصاد بالجزائر تحدثوا لـ«إرم بزنس»، فإن الجزائر أمام منافسة كبيرة من دول بالمنطقة بينها تركيا والمغرب بخلاف واشنطن لكنها قادرة على حجز مقعد لها رغم تحديات أبرزها عدم تحديث الإجراءات المصرفية بالبلاد وتسهيل المعاملات.
وفقاً لتقديرات رسمية، تملك الجزائر فائضاً استراتيجياً في إنتاج وقود الطائرات (الكيروسين أو جيت إيه 1) يُقدر بنحو 1.5 مليون طن سنوياً، يتم إنتاجه عبر مصافي شركة سوناطراك الحكومية والتي باشرت في أغسطس 2026 عمليات تصدير أولى شحنات هذا الوقود نحو السوق النيجري في مسعى لتنويع صادراتها لإفريقيا.
وتجاوزت إجمالي الصادرات خارج المحروقات 4.3 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، مسجلة نمواً بنسبة تقارب 26% مقارنة بعام 2024، فيما بلغت الصادرات نحو إفريقيا بنحو 2.7 مليار دولار.
اقتصاد الجزائر.. هل تنجح الإصلاحات في احتواء المخاطر؟
الخطة الإفريقية للجزائر
وتسعى الجزائر لرفع صادراتها خارج المحروقات نحو القارة الإفريقية لتشكل محركاً أساسياً لاقتصادها الوطني، مستهدفة بلوغ 30 مليار دولار كإجمالي للصادرات خارج المحروقات بحلول عام 2030. وتشمل هذه الصادرات المواد الغذائية، المنتجات الفلاحية، الأدوية، والمنتجات الصناعية والبتروكيميائي
وأعلنت شركة الطاقة «سوناطراك» الحكومية الجزائرية، أنها باشرت مساء 14 أغسطس الجاري تسليم أولى شحنات وقود الطائرات من نوع «جيت إيه 1» إلى السوق النيجرية، انطلاقاً من مصفاة أدرار «آر إيه 1 دي» جنوب غربي البلاد.
وأوضحت «سوناطراك»، في بيان يوم 15 أغسطس، أن هذه العملية تأتي في إطار تنفيذ العقد المبرم بين «سوناطراك» والشركة النيجرية للبترول (سونيداب) ما يعكس جهود تعزيز التعاون المباشر مع شركات النفط والغاز الإفريقية، لا سيما في منطقة الساحل، بما يفتح آفاقاً جديدة لتزويد أسواق المنطقة بالمنتجات البترولية الجزائرية بشكل منتظم.
وقبل تسليم الشحنة بيوم، كان الوزير الأول الجزائري، سيفي غريب، أشرف رفقة نظيره النيجري، علي محمد لمين زين, على مراسم إطلاق أشغال حفر البئر الاستكشافية «كفرا جنوب شرق 1» في النيجر، بخلاف إنجاز الجزائر محطة لتوليد الكهرباء بقدرة 40 ميغاواط، بمنطقة غروباندا القريبة من نيامي عاصمة النيجر كهبة.
محطة لمعالجة الغاز في الصحراء الجزائرية تديرها شركة سوناطراك
المصدر: موقع شركة سوناطراك الجزائرية
إفريقيا.. خيار استراتيجي
ويرى الخبير الجزائري في مجال اللوجستيك وسلاسل الإمداد والتوريد، نصر الدين بوغاشيش، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن «السلطات العليا في الجزائر تتبنى توجهًا استراتيجيًا حاسمًا يستهدف الولوج إلى الأسواق الإفريقية وتوسيع الصادرات سواء في قطاع المحروقات أو خارج نطاقه، لافتاً إلى أن هذا الخيار لترسيخ البعد الأفريقي للبلاد، تحقيقًا للتكامل الاقتصادي الإقليمي وتجسيدًا لدور الجزائر كرائد اقتصادي واستثماري في منطقة الساحل وجنوب الصحراء خصوصاً و ليس حصراً».
وتستند هذه الاستراتيجية إلى الموقع الجغرافي المتميز للجزائر كبوابة شمالية لقارة إفريقيا، إلى جانب امتلاكها خبرات بشرية هائلة وإمكانيات طاقوية معتبرة مع بنية تحتية وصناعية واسعة.
ووفقاً لـ«نصر الدين بوغاشيش» تتجلى هذه الحركية في النشاط المتزايد للشركات الجزائرية في عدة قطاعات حيوية نذكر منها قطاع الطاقة من خلال مشاريع الشراكة فيما يخص الربط الكهربائي والاستثمار في المحطات الكهربائية، وقطاع الحديد والصلب عبر تصدير منتجات ذات جودة عالية انطلاقاً من مجمعي «توسيالي» و«الجزائرية القطرية للصلب AQS» نحو عدة دول أفريقية، وقطاع الصناعات الكهرومنزلية بفضل الانتشار الواسع لعلامات جزائرية مثل «إريس» و«كوندور» في الأسواق الإقليمية منها الإفريقية، إضافة إلى قطاع الصناعات الغذائية من خلال تصدير المنتجات الواسعة الاستهلاك والسكر والزيوت والمواد التحويلية.
وفي قطاع المحروقات يتجلى البعد الأبرز لهذا الانفتاح الجزائري على إفريقيا بحسب بوغاشيش، عبر مجمع سوناطراك، الضخم الذي يقود القاطرة الاقتصادية للبلاد، معتبراً تسليم المجمع أولى شحنات وقود الطائرات عملية نوعية تعد الأولى من نوعها لنشر المنتجات النفطية في أسواق الجوار الإفريقي، ومن الحتمي أن تتبعها عمليات أخرى مستقبلاً، نظراً للشراكة المتزايدة مع دول المنطقة، خاصة دولة النيجر، وفي مرحلة أخرى دولة مالي.
في نفس سياق الانفتاح الجزائري وعلى صعيد الاستكشاف والإنتاج في العمق الإفريقي، تنخرط سوناطراك عبر شركتها الفرعية «إينافور» (ENAFOR) في تجسيد مشروع حفر أربع آبار استكشافية في النيجر ضمن رقعة «كافرا» (Kafra) وتأتي هذه الخطوة الجديدة والهامة بعد إنجازات سابقة حققتها سوناطراك بالنيجر عبر إنجاز بئرين نفطيتين ناجحتين عامي 2018 و2021 (المحققة ضمن حقل كافرا)، وفق بوغاشيش.
وتثبت هذه الخطوات الميدانية المتسارعة بحسب نصر الدين بوغاشيش أن «الجزائر تسير بخطى ثابتة نحو ترسيخ عمقها الإفريقي، مستندة إلى قدرات صناعية وتقنية عالية، لا سيما في تأمين المواد الطاقوية الاستراتيجية مثل وقود الطائرات انطلاقًا من مصفاة أدرار القريبة جغرافيا ولوجستيا من دول جنوب الصحراء».
منافسة شرسة
ويعتقد الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة ورقلة في الجزائر، سليمان ناصر، في حديث لـ«إرم بزنس» أن قيام مجمع سوناطراك العملاق بتصدير وقود الطائرات إلى السوق النيجيرية انطلاقاً من مصفاة أدرار، يندرج ضمن استراتيجية احتواء شاملة تتبناها الدولة الجزائرية»، مضيفا: «إذا ما تابعنا الأخبار والتحركات الأخيرة، سنجد أن هذه الخطوة تأتي بالتوازي مع تدشين محطات كهربائية في كل من النيجر وتشاد، وعودة العلاقات مؤخراً مع مالي، بالإضافة إلى مشروع التنقيب المشترك الذي دُشن قبل أيام في النيجر بحضور الوزير الأول الجزائري».
وحول مدى نجاح الجزائر في رهان تنويع صادراتها نحو القارة الإفريقية، أضاف ناصر: «لا أستطيع الجزم بالنجاح أو الفشل حالياً، فهناك رهانات كبيرة جداً. ورغم محاولات الجزائر إقامة معبر بري يربط تندوف بـ الزويرات في موريتانيا ومنها إلى غرب إفريقيا، وإنشاء خطين بحريين نحو نواكشوط وداكار، إلا أننا لا نزال نتبع سبلاً تقليدية جداً».
وأضاف محذراً من حجم المنافسة الدولية: «إفريقيا أصبحت كعكة تتنازع عليها القوى الكبرى؛ فهناك الاتحاد الأوروبي بحكم القرب الجغرافي والإرث التاريخي الاستعماري، والولايات المتحدة، والجانب الصيني الذي يشهد توسعاً كبيراً جداً، بالإضافة إلى النفوذ التركي المتنامي، وحتى إسرائيل التي يسعى للتوسع في القارة».
وفي مقارنة إقليمية، أشار ناصر إلى أن «الجارة المغرب قطعت أشواطاً كبيرة ولديها خبرة سنوات في التصدير نحو دول إفريقيا، بينما لا تزال الجزائر تخطو خطواتها الأولى. وتعاني هذه الخطوات من نقص اللوجستيات، ونقص وسائل النقل، بالإضافة إلى نظام مصرفي بطيء وروتيني لا يواكب التطورات ولا يرافق المصدرين بالدرجة الكافية».
وخلص ناصر إلى «الجزائر لا تزال في البدايات فيما يخص غزو الأسواق الإفريقية، ويجب أن يتم ذلك بوتيرة أسرع وبإمكانيات أكبر، وإلا فلن نتمكن من اللحاق بالنفوذ الصيني أو التركي أو حتى المغربي».
من 7 إلى 30 مليار دولار هل تنجح الجزائر في فكّ الارتباط بالنفط؟
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

