ديون أميركا فوق 40 تريليون دولار للمرة الأولى.. هل تنفجر الأزمة؟

أزمة الديون الأميركية، من جديد، تدق جرس الإنذار بصوت عالٍ، بعدما هدأت لفترة من الوقت، وتراجعت إلى الخلف خطوة واختفت من عناوين الأخبار وصدارة المشهد، مع تصاعد الحديث عن الرسوم الجمركية تارة، ومن بعدها أزمة الفيدرالي ورئيسه، وأخيراً حرب إيران التي دخلت شهرها السادس.

لكن مع تجاوز إجمالي الدين الأميركي حاجز 40 تريليون دولار للمرة الأولى، وفقاً لما أعلنته وزارة الخزانة الأميركية، عادت التحذيرات من أن البلاد تتجه نحو أزمة مالية، في ظل ارتفاع تكاليف برامج شبكة الأمان الاجتماعي ومدفوعات الفائدة بوتيرة تفوق نمو الإيرادات، بينما أدت التخفيضات الضريبية إلى زيادة الضغوط على المالية العامة.

موجة بيع كاسحة بالأسهم.. لماذا اهتزت الأسواق مع اشتعال السندات؟

حاجز تاريخي

أظهر أحدث بيان يومي لأرصدة النقد والدين الصادر عن وزارة الخزانة أن إجمالي الدين العام القائم بلغ 40.047 تريليون دولار، ويتضمن 32.266 تريليون دولار من سندات الخزانة التي يحتفظ بها الجمهور، و7.782 تريليون دولار من الديون المملوكة لجهات حكومية أخرى.

وتضاعفت التزامات الحكومة الفيدرالية أكثر من مرة خلال أقل من عقد، مقارنة بنحو 19.95 تريليون دولار عندما أدى الرئيس دونالد ترامب اليمين الدستورية للمرة الأولى في يناير 2017. وجاء نحو ثلث الزيادة خلال سنوات جائحة كوفيد-19، بينما أسهمت الخيارات المالية للرئيسين والاختلالات المزمنة بين الضرائب والإنفاق في بقية الارتفاع.

فاتورة متصاعدة

لا تكمن المشكلة في الرقم الإجمالي وحده، بل في تكلفة تمويله، فقد تجاوزت مدفوعات الفائدة على الدين مستويات الإنفاق على وزارة الدفاع، وأصبحت من أكبر بنود الموازنة، فيما يتوقع مكتب الموازنة في الكونغرس أن تصل تكلفة الفائدة الصافية إلى نحو تريليون دولار في 2026، بزيادة تقارب 7% عن العام السابق.

ومع استمرار ارتفاع العوائد، تصبح كل عملية إعادة تمويل للديون أكثر تكلفة، ما يخلق حلقة ضاغطة: دين أكبر يعني إصدارات أكثر، وإصدارات أكثر في بيئة عوائد مرتفعة تعني فوائد أعلى، فيما تؤدي الفوائد بدورها إلى زيادة العجز والحاجة إلى الاقتراض.

«هرمز» والروايات المتناقضة.. هل تتوقف الملاحة بعد تعثر المفاوضات؟

السندات تحذر

وتزامن تجاوز الدين حاجز 40 تريليون دولار مع اضطراب واضح في سوق السندات الأميركية، بعدما قفز عائد سندات الخزانة لأجل 30 عاماً إلى نحو 5.33%، وهو أعلى مستوى منذ 2007، قبل أن يتراجع قليلاً، بينما اقترب عائد السندات لأجل 10 سنوات من 4.75%.

وتعكس هذه التحركات أكثر من مجرد توقعات التضخم أو مسار الفائدة؛ فالمستثمرون يطلبون عائداً أعلى للتعويض عن مخاطر الاحتفاظ بديون طويلة الأجل في وقت يتزايد فيه المعروض من السندات وتبقى المخاوف المالية والجيوسياسية مرتفعة.

دونالد ترامب لدى وصوله إلى «ويست بالم بيتش»، ولاية فلوريدا الأميركية، على متن طائرة «إير فورس وان» يوم 28 مارس 2025

طلب أجنبي أضعف

يزداد الضغط مع تغير تركيبة الطلب على الدين الأميركي. فالمستثمرون الأجانب، الذين يمثلون شريحة مهمة من حائزي سندات الخزانة، أصبحوا أقل إقبالاً نسبياً على الدين الأميركي، بينما اضطلع المستثمرون المحليون وصناديق التحوط بدور أكبر في استيعاب الإصدارات الجديدة.

لا يعني ذلك أن الخزانة الأميركية فقدت قدرتها على الاقتراض، إذ لا تزال سوقها الأكبر والأكثر سيولة عالمياً، لكن انخفاض الاعتماد على الطلب الأجنبي يجعل السوق أكثر حساسية للسعر، وقد يزيد التقلب إذا احتاجت الحكومة إلى جذب مشترين جدد بكلفة أعلى.

الخزانة تتحرك

في محاولة لتهدئة سوق السندات، أعلنت وزارة الخزانة مضاعفة أحجام عمليات إعادة شراء سندات الخزانة طويلة الأجل إلى ما لا يقل عن 4 مليارات دولار لكل عملية، في خطوة تهدف إلى دعم السيولة في سوق الدين وتقليل الاختلالات في منحنى العائد.

لكن هذه الخطوة لا تعالج أصل المشكلة المالية؛ فهي قد تحسن سيولة السوق وتخفف الضغوط مؤقتاً، لكنها لا تقلص العجز ولا توقف تراكم الدين. ولذلك يبقى الحل الحقيقي مرتبطاً بمسار الإيرادات والإنفاق وقدرة واشنطن على ضبط الدين على المدى الطويل.

البيع على المكشوف يحاصر «بيتكوين».. لماذا تغيّرت شهية المخاطر؟

عجز ضخم

أعلنت وزارة الخزانة عن عجز شهري بلغ 432 مليار دولار في يوليو، وهو من أكبر فجوات الموازنة الشهرية في تاريخ الولايات المتحدة، مع استمرار ارتفاع نفقات الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية، في وقت تأثرت فيه الإيرادات الجمركية برد مبالغ الرسوم.

بلغ العجز الفيدرالي خلال الأشهر التسعة الأولى من السنة المالية 2026 نحو 1.4 تريليون دولار، وفق تقديرات مكتب الموازنة في الكونغرس، بزيادة محدودة عن الفترة نفسها من العام السابق، لكن المشكلة تكمن في أن الإنفاق الإلزامي وتكاليف الفائدة يواصلان الضغط على الموازنة.

إنفاق لا يتراجع

تنفق الولايات المتحدة نحو 7 تريليونات دولار سنوياً، ويذهب الجزء الأكبر إلى البرامج الإلزامية، وعلى رأسها الضمان الاجتماعي وميديكير وميديكيد ورعاية المحاربين القدامى، وهي بنود يصعب خفضها سريعاً لأسباب اقتصادية وسياسية.

تشير توقعات مكتب الموازنة في الكونغرس إلى أن أكثر من 80% من نمو الإنفاق الفيدرالي في 2026 سيأتي من النفقات الإلزامية، بينما ترتفع تكاليف الفائدة الصافية إلى نحو تريليون دولار، ما يترك مساحة محدودة أمام خفض الإنفاق التقديري وحده لمعالجة الاختلال المالي.

الدولار بين نارين.. هل ينقذه «الفيدرالي» من فخ السندات؟

تحذير دولي

يرى صندوق النقد الدولي أن الخطر لا يتمثل في احتمال تعثر أميركي وشيك، بل في المسار المتواصل للدين والعجز. ويتوقع الصندوق بقاء العجز العام في نطاق 7% إلى 8% من الناتج المحلي، مع ارتفاع الدين الحكومي الإجمالي إلى أكثر من 140% من الناتج بحلول 2031.

يؤكد الصندوق أن مخاطر الضغط السيادي لا تزال منخفضة بفضل عمق الاقتصاد الأميركي وسيولة سوق الخزانة ومكانة الدولار كعملة احتياطية، لكنه يحذر في الوقت نفسه من أن ارتفاع الاعتماد على الديون قصيرة الأجل يزيد مخاطر إعادة التمويل والسيولة في حال تعرض الأسواق لصدمة قوية.

بلاك روك تحذر

وتلتقي هذه الرؤية مع تحذيرات مؤسسات الاستثمار العالمية من إعادة تسعير طويلة الأجل لسوق السندات. وتشير «بلاك روك» إلى أن العوائد طويلة الأجل شهدت إعادة تسعير كبيرة، بعدما ارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات إلى مستويات قريبة من 5%، فيما وصل عائد السندات لأجل 30 عاماً إلى أعلى مستوى في نحو عقدين.

وتشير القراءة الأوسع إلى أن المستثمرين لم يعودوا ينظرون إلى السندات طويلة الأجل باعتبارها أداة تحوط فقط، بل يطالبون بعائد أعلى في مقابل مخاطر التضخم والديون والمعروض الحكومي، وهو تحول مهم بالنسبة لأكبر سوق دين في العالم.

الذهب تحت حصار السندات.. هل يملك «الفيدرالي» مفتاح النجاة؟

بنك أوف أميركا

يرى مايكل هارتنيت، كبير محللي الاستثمار في بنك «أوف أميركا»، أن مسار الدين الأميركي قد يدفع إجمالي الدين إلى 50 تريليون دولار بحلول يوليو 2029، ما يعكس سرعة تراكم الالتزامات مقارنة بحجم الاقتصاد.

تضع هذه الرؤية تكلفة خدمة الدين في قلب المخاوف، خصوصاً إذا بقيت أسعار الفائدة والعوائد طويلة الأجل مرتفعة.

لا يعني ذلك أن الأسواق تتوقع انهياراً وشيكاً للدولار أو سندات الخزانة، لكنه يعكس تحولاً في طريقة تسعير المخاطر؛ فالمستثمر الذي كان يقبل عائداً منخفضاً مقابل الأمان والسيولة أصبح يطالب بعائد أكبر كلما طال أجل الدين.

مأزق الفيدرالي

يضع ذلك مجلس الاحتياطي الفيدرالي في موقف شديد الحساسية. فخفض الفائدة يمكن أن يقلل تكلفة الاقتراض الجديدة ويخفف الضغط على الاقتصاد، لكنه قد يصطدم بالتضخم إذا بقيت أسعار الطاقة والسلع مرتفعة، بينما يؤدي الإبقاء على الفائدة مرتفعة إلى زيادة تكلفة خدمة الدين مع إعادة تمويل السندات.

يحذر صندوق النقد من أن مساحة خفض الفائدة في 2026 محدودة، خصوصاً مع ارتفاع أسعار الطاقة ومخاطر انتقالها إلى التضخم الأساسي، ما يعني أن المالية العامة الأميركية لا تستطيع الاعتماد بسهولة على تراجع سريع في تكاليف الاقتراض لإنقاذ الموازنة.

النفط بين «هرمز» والمفاوضات والمخزونات.. متى يشتعل البرميل؟

المعضلة الكبرى

تكمن المشكلة الأعمق في أن خفض العجز يتطلب التعامل مع البنود التي تنمو تلقائياً، وعلى رأسها برامج التقاعد والرعاية الصحية، إلى جانب زيادة الإيرادات، وهي خيارات تحمل تكلفة سياسية مرتفعة.

يرى صندوق النقد أن وضع الدين على مسار هابط يتطلب تعديلاً مالياً مقدماً، يشمل إصلاحات في الإيرادات وإعادة موازنة برامج الاستحقاقات، وليس الاعتماد فقط على تقليص الإنفاق التقديري، الذي يمثل جزءاً أصغر بكثير من إجمالي الموازنة.

جرس إنذار

تجاوز الدين الأميركي 40 تريليون دولار لا يعني أن أزمة مالية بدأت بالفعل، لكنه يرفع صوت جرس الإنذار بشأن نموذج يعتمد على الاقتراض لتمويل عجز متواصل، في وقت أصبحت فيه تكلفة الاقتراض نفسها واحدة من أكبر بنود الإنفاق.

تبقى قوة الدولار وعمق سوق الخزانة الأميركية عاملين يحولان دون تحول الدين المرتفع إلى أزمة فورية، لكن استمرار العجز عند مستويات مرتفعة قد يجعل المعادلة أكثر هشاشة أمام صدمة تضخم أو ارتفاع إضافي في العوائد أو تراجع أكبر في الطلب على السندات.

رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي كيفن وارش يدلي بشهادته أمام لجنة الخدمات المصرفية في مجلس الشيوخ في واشنطن، في 15 يوليو 2026

الثمن المؤجل

بذلك، لم تعد أزمة الدين الأميركي مجرد رقم يتضخم على شاشة وزارة الخزانة، بل أصبحت معادلة تؤثر في الفائدة والأسهم والدولار والاقتصاد العالمي.

كلما ارتفع الدين، أصبحت تكلفة الخطأ أعلى، وأصبحت واشنطن بحاجة إلى عوائد أقل ونمو أقوى وانضباط مالي أكبر حتى لا يتحول عبء الفائدة إلى محرك جديد لتراكم الديون.

السؤال لم يعد ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على تحمل 40 تريليون دولار من الدين، بل إلى متى يمكنها مواصلة إضافة تريليونات جديدة من دون أن يطالب المستثمرون بثمن أعلى، أو تبدأ تكلفة خدمة الدين في مزاحمة الأولويات الاقتصادية والاستثمارية للحكومة الأميركية.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ ساعتين
منذ 10 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 9 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 16 ساعة
الشرق بلومبرغ منذ ساعة
الشرق بلومبرغ منذ 10 ساعات
الشرق بلومبرغ منذ 7 ساعات
الشرق بلومبرغ منذ 9 ساعات
صحيفة الاقتصادية منذ 21 ساعة
قناة CNBC عربية منذ ساعة
قناة العربية - الأسواق منذ 20 ساعة