ظهرت العملات المشفرة جزئياً احتجاجاً على إغراق البنوك المركزية الاقتصاد العالمي بالأموال خلال الأزمة المالية قبل 18 عاماً. وكان من أوائل مؤيدي "بتكوين" نشطاء التشفير والفوضويون المشفرون الذين رأوا في السلطات النقدية أدوات لدولة قائمة على المراقبة ينبغي الالتفاف عليها، إن لم يكن إسقاطها. ومع ذلك، يتبع محافظو البنوك المركزية في أوروبا والعديد من أكبر الأسواق الناشئة الآن خطى "بتكوين" و"تيثر" إلى عالم النقود الرقمية. فما الذي أصاب صناع سياسات الاقتصاد الكلي لدينا؟
طرح المؤيدون مجموعة متنوعة من المبررات: فالعملات الرقمية للبنوك المركزية، أو "CBDCs"، ستوفر خدمات شبيهة بالخدمات المصرفية للسكان الذين لم يسبق لهم التعامل مع البنوك (هدف نبيل، لكن الأدلة التجريبية ضعيفة)، وستدعم مدفوعات أكثر كفاءة عبر الحدود (وهذا صحيح إلى حد كبير، وإن كان نطاق الاستخدام أضيق مما قد تظن). أما الحجة الأبرز فهي دفاعية في الواقع؛ إذ يأمل المؤيدون أن تحمي العملات الرقمية للبنوك المركزية السيادة النقدية -أي قدرة الدول على التحكم في عملاتها وظروف الاقتراض لديها- من انتشار العملات المستقرة التي يصدرها القطاع الخاص، والمقومة بنسبة 98% منها بالدولار استناداً إلى القيمة السوقية.
العملات المستقرة تعزز هيمنة الدولار يُنظر إلى العملات المستقرة على أنها حصان طروادة سيخرج منه الرئيس دونالد ترمب ورئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش ليفرضا دولرة الاقتصادات على العالم. ولا يعمل الاحتياطي الفيدرالي على تطوير عملة رقمية لبنك مركزي؛ وبدلاً من ذلك، وفر قانون "جينيوس" الأميركي في العام الماضي إطاراً تنظيمياً اتحادياً ساعد على إضفاء الشرعية على العملات الرقمية الخاصة التي تحوز سندات الخزانة الأميركية للحفاظ على قيمتها. وإذا بدأت الشركات والمستهلكون حول العالم في نقل معاملاتهم ومدخراتهم إلى العملات المستقرة القائمة على الدولار، فستفقد البنوك المركزية المحلية بعض قدرتها على تحفيز اقتصاداتها أو مكافحة التضخم.
يفترض كل ذلك أن استخدام العملات المستقرة سينتشر بصورة ملموسة خارج اقتصاد العملات المشفرة إلى العالم الحقيقي. ولا تزال هذه المسألة موضع تساؤل، لكن إذا حدث ذلك، فسرعان ما ستكتشف السلطات أن العملات الرقمية للبنوك المركزية هي الحل الخاطئ للمشكلة.
الدولار يستفيد من قوة الأسواق يجب أن تكون العملات الناجحة مخزناً فعالاً للقيمة، وموثوقة وقليلة التقلب قدر الإمكان. ويقدم الدولار، عملة الاحتياط الرئيسية في العالم، ميزة بالغة الأهمية: الوصول إلى أسواق أوراق مالية عميقة وموثوقة. وحتى في ظل إدارة ترمب التي يشوبها عدم التنظيم، توفر سوق سندات الخزانة البالغة قيمتها 30 تريليون دولار سيولة لا مثيل لها للمستثمرين العالميين، فيما يمتلك الأجانب نحو خُمس سوق الأسهم الأميركية البالغة قيمتها 80 تريليون دولار. وتتيح العملات المستقرة المقومة بالدولار لأي شخص لديه هاتف وصولاً فورياً وسلساً إلى كل ذلك. ولهذا السبب يشعر محافظو البنوك المركزية الأجنبية بهذا القدر من الخوف.
ووجد مسح أجراه "بنك التسويات الدولية" (Bank for International Settlements) وشمل 93 بنكاً مركزياً أن أكثر من ثلاثة أرباع البنوك التي تعمل على مشروعات للعملات الرقمية تعتبرها جزءاً من مسعى للحفاظ على دور عملاتها الرسمية. ومعظم هذه الجهود محكوم عليها بالفشل بسبب حقيقة بسيطة واحدة: نجاح العملات الرقمية يعتمد على ما توفره من إمكانية الوصول إلى الأموال التي يرغب فيها الجمهور بالفعل، وفي الوقت الراهن لا ينطبق ذلك سوى على الدولار الأميركي.
السياسات الاقتصادية أساس قوة العملات لا يمكن مواجهة هيمنة الدولار سوى بأسواق قوية وسياسات سليمة للاقتصاد الكلي تحافظ على الثقة بالعملات المحلية. وقد تسهّل العملات المستقرة، على سبيل المثال، على الأرجنتينيين والفنزويليين التخلص من البيزو والبوليفار مقابل الدولار، لكنهم ما كانوا ليتحمسوا إلى ذلك بهذا القدر من الأساس لو لم يعيشوا في دول تعاني أوضاعاً كارثية على صعيد الاقتصاد الكلي. أما الصين، القوة الاقتصادية الكبرى الأخرى، فقد طورت عملتها الرقمية الخاصة بالبنك المركزي، فيما شددت، في خطوة لافتة، قيودها الصارمة على حركة رؤوس الأموال، وحظرت فعلياً التداول بالعملات الرقمية الأخرى.
وأوروبا هي الاقتصاد المفتوح الوحيد القادر على منافسة الدولار وبدائله الخاصة بصورة ملموسة. لكن خططها لإطلاق عملة رقمية للبنك المركزي، التي تعززت في يونيو بعدما مهد المشرعون الطريق لإجراء محادثات بشأن إطار قانوني، تتجاهل القضية الجوهرية الكامنة وراء ذلك. وما لم يُبنَ طلب على العملة نفسها، فلا جدوى من إنشاء نظام دفع إلكتروني متطور ومبهر. وفعلياً، يصمم الأوروبيون زينة غطاء السيارة قبل أن يصنعوا السيارة نفسها. وفي هذه المرحلة، يمثل اليورو الرقمي تشتيتاً للانتباه عن المهمة الحقيقية المتمثلة في إنشاء سوق سندات مشتركة قوية تجعل اليورو بديلاً حقيقياً للدولار.
تجزؤ أسواق السندات الأوروبية يبلغ حجم اقتصاد منطقة اليورو 18 تريليون دولار، ولديها مجموعة ضخمة من أموال المؤسسات التي ستكون مستعدة لتخصيص مزيد من الأموال في أسواق أقرب إلى موطنها، ونحو 12 تريليون يورو (14 تريليون دولار) من الأوراق المالية الحكومية.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من الشرق بلومبرغ
