هناك أزمات لا تبدأ من القرار الذي نختلف عليه، ولا تنتهي بتعديله؛ تبدأ حين نفقد القدرة على الإجابة عن السؤال الذي يجب أن يسبق كل قرار: إلى أين نريد أن نصل؟ وأزمة الثانوية العامة في الأردن واحدة من هذه الأزمات.
فنحن نناقش اليوم الحقول والمواد والامتحانات والقبول الجامعي وكأن المشكلة في توزيع المواد أو شكل الامتحان، بينما السؤال الأعمق ما يزال بلا إجابة واضحة: أي إنسان نريد أن تُخرّجه المدرسة الأردنية؟ قد يبدو هذا السؤال فلسفياً، لكنه في الحقيقة سؤال اقتصادي وتنموي وسيادي بامتياز؛ فكل من سيبني الأردن بعد عشرين عاماً يبدأ اليوم من مقعد في مدرسة.
لذلك، فإن أزمة الثانوية العامة ليست أزمة امتحان أو حقول أو مناهج فقط، بل أزمة فلسفة تعليمية لم تتحول بعد إلى منظومة وطنية متكاملة تحكم المدرسة والجامعة وسوق العمل معاً.
الدول التي نجحت في بناء أنظمة تعليمية قوية لم تبدأ من سؤال "كم حقلاً نحتاج؟"، بل من الإنسان الذي تريد بناءه، والمعرفة التي يحتاجها، والمهارات التي يجب أن يمتلكها، ثم صمّمت المسارات والمناهج بناءً على ذلك.
ومن المفيد هنا استعراض عدد من التجارب الدولية، لا لاستنساخها، بل لفهم الفلسفة التي تقف خلف نجاحها، إذ تقدّم كل تجربة درساً مختلفاً في كيفية بناء المسارات التعليمية.
ففي ألمانيا يبدأ التفريق بين أنواع المدارس مبكراً، وقد نقل الأردن نفسه تجربة مدارسها المهنية في القرن الماضي بنجاح.
وفي النمسا يبدأ التمايز بين الطلبة مبكراً أيضاً، لكن مع إمكانية الانتقال بين المسارات، والتفرع المهني الأكبر يأتي لاحقاً في السنة التاسعة.
وتبدأ هولندا التوجيه عند سن الثانية عشرة، لكن مع مستويات مزدوجة ومسارات تسمح بالحركة، فيما يأتي التخصص الدقيق لاحقاً. أما فنلندا فتُبقي جميع الطلبة في مدرسة موحدة حتى سن الخامسة عشرة، ثم يختارون بين التعليم العام والمهني.
والدرس المشترك من هذه التجارب ليس أن التمايز المبكر هو الحل، بل أن اختلاف الطلبة يستدعي أكثر من طريق، وأن الطريق الجيد يجب ألا يتحول إلى جدار يغلق بقية الطرق.
وفي نيوزيلندا يبقى التعليم الثانوي أكثر توحيداً، مع مساحة واسعة أمام الطالب لاختيار المواد والتوجهات التي تناسب قدراته؛ وهي تجربة تذكّرنا بأن التعدد لا يعني بالضرورة تقسيم الطلبة إلى صناديق ثابتة، فقد يكون داخل المنظومة نفسها من خلال تنوع المواد والمستويات.
أما اليابان فتمنح الطالب سنوات أطول من
التعليم المشترك، ولا تختزل التعليم في إعداده للجامعة، بل تجعل بناء الشخصية والمسؤولية الاجتماعية جزءاً أساسياً من العملية: الإنسان أولاً، ثم التخصص.
وفي كوريا الجنوبية ارتبط التعليم بمشروع التنمية الوطنية، والتعليم المهني فيها ليس طريقاً لمن فشل أكاديمياً، بل أحد المسارات التي تحتاجها الدولة لاقتصاد قوي.
وفي الصين، منذ إصلاحات 1978، يأتي التفرع الرئيس بعد الصف التاسع بين التعليم الأكاديمي والمهني، ضمن رؤية إستراتيجية شاملة تتعامل مع التعليم والعلم والتكنولوجيا كأدوات للنهوض الوطني لا كملفات منفصلة.
وتقدّم سنغافورة الدرس الأهم لمشكلة "الحقول": فبعدما كانت تعتمد تشعيباً مبكراً وجامداً، غيّرت نموذجها بحيث لا يُنظر إلى الطالب كله كمنتمٍ لمسار واحد ثابت، بل يمكن أن يدرس كل مادة بمستوى يناسب قدرته فيها.
وهنا حدث تحوّل فلسفي مهم: من تصنيف الطالب إلى تصنيف مستوى التعلم. فقد يكون الطالب متفوقاً في الرياضيات، ومتوسطاً في اللغة، ومتميزاً في التكنولوجيا؛ فلماذا نضعه كله في صندوق واحد؟ أما بريطانيا، فطوّرت منظومة واسعة من المؤهلات الأكاديمية والمهنية والتطبيقية، يبرز بينها BTEC القائم على التعلم التطبيقي، ويمكن أن يكون طريقاً إلى سوق العمل أو التعليم العالي.
لكن يجب الانتباه هنا إلى نقطة جوهرية للتجربة الأردنية: إدخال برنامج لا يعني نقل فلسفة التعليم التي أنتجته؛ فالبرنامج التطبيقي، مهما كان جيداً، لن ينجح وحده إذا بقي منفصلاً عن بيئته، ونقل برنامج دون نقل البيئة التي أنتجت نجاحه قد يحوّل الإصلاح إلى مجرد تغيير في الاسم.
والسؤال الأهم ليس مبدأ توزيع الطلبة على مسارات، بل توقيت هذا التوزيع وطبيعته ومرونته وقدرة الطالب على الانتقال من مسار إلى آخر دون أن تُغلق أمامه أبواب المستقبل.
وفي حدود النماذج الدولية، لا يبدو أن هناك نموذجاً يطابق تماماً الصيغة الأردنية التي يبقى فيها الطالب في مسار عام حتى الصف الحادي عشر، ثم يُوزَّع فجأة على حقول أكاديمية محددة تؤثر مباشرة في مستقبله الجامعي.
والأهم من توقيت التشعيب هو فلسفته؛ فالنموذج السنغافوري يبتعد عن فكرة الصندوق الواحد إلى مستوى مرن قابل للتعديل لكل مادة.
وهذا يقودنا إلى سؤال جوهري: إذا كانت الدول التي تشعب طلابها مبكراً تتجه اليوم نحو مزيد من المرونة، فلماذا نختار للطالب الأردني مساراً جامداً في نهاية الثانوية قد يغلق أمامه أبواب الجامعة بسبب مادة واحدة لم يدرسها؟
وهنا يمكن أن تكون فنلندا في تأخير الاختيار، وهولندا في تعدد المسارات مع إمكان الحركة، وسنغافورة في المرونة حسب المادة والقدرة، أكثر فائدة للأردن من تقليد نموذج دولة واحدة. فالسؤال يتجاوز "من أي صف نشعب؟" إلى: هل نريد تشعيب الطالب أم تشعيب مستقبله؟
فكرة المسارات إذن ليست اختراعاً أردنياً ولا مشكلة في حد ذاتها؛ فمعظم الأنظمة المتقدمة تعترف باختلاف الطلبة وتتيح لهم مسارات متعددة.
لكن الفارق أن الأنظمة الناجحة لا تنظر إلى المسار كحكم نهائي على مستقبل الطالب، بل كطريق قابل للتطوير، مع المحافظة على إمكانية الانتقال إلى مستويات أعلى. فهل المشكلة في أن نقول للطالب "اختر"، أم في أن نسأله متى يختار وعلى أي أساس وما مقدار الحرية التي تبقى له بعد الاختيار؟ فالطالب في الخامسة عشرة قد لا يعرف قدراته الحقيقية ولا كيف سيتغير سوق العمل بعد عشر سنوات؛ وإذا اكتشف بعد عام أنه أخطأ، فهل نمنحه فرصة حقيقية للانتقال؟ هنا يجب أن نميّز بين التوجيه والإقصاء: التوجيه يقول للطالب "يمكنك تغيير المسار إذا تغيرت اهتماماتك"، أما الإقصاء فيقول "اختر الآن، وإذا أخطأت فستدفع ثمن اختيارك طويلاً".
فالحقل يقسم الطالب، أما المسار فيقود الطالب؛ الحقل قد يغلق باباً، أما المسار الجيد فيبني جسوراً بين الأبواب.
وهنا نصل إلى السؤال الأكثر جرأة: هل لدى الأردن فلسفة تعليم؟ والإجابة: نعم، لدينا فلسفة تربوية معلنة تستند إلى الدستور والهوية والتجربة الوطنية، وتعطي العلم والعمل والقيم مكانة أساسية.
فالمشكلة ليست أننا بلا فلسفة، بل أن هذه الفلسفة القيمية العامة تحتاج أن تتحول إلى فلسفة تشغيلية تحدد بوضوح: ماذا يجب أن يعرف خريج المدرسة ويستطيع أن يفعل؟ ما المهارات التي يحتاجها؟ كيف ينتقل إلى الجامعة أو العمل؟ ما مكانة التعليم المهني؟ وكيف نعدّه لعالم يتغير بسرعة؟
ويصبح هذا السؤال أكثر إلحاحاً لأن العالم تغيّر: فالذكاء الاصطناعي ليس مجرد تكنولوجيا يمكن إضافتها إلى مادة الحاسوب؛ إنه يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمعرفة والعمل، ولم يعد بإمكان المدرسة أن تقيس نجاح الطالب باسترجاعه للمعلومات، لأن الآلة تكتب وتترجم وتبرمج وتحلل خلال ثوانٍ.
كلما ازدادت قدرة الآلة على إنتاج الإجابة، ازدادت قيمة الإنسان الذي يسأل السؤال الصحيح، ويتحقق من الإجابة، ويكتشف الخطأ، ويحكم أخلاقياً، ويفهم السياق، ويبتكر.
ولهذا يجب أن يصبح التفكير النقدي وحل المشكلات.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية
