بعد نحو عامين من تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترمب للمرة الأولى بالاستيلاء على قناة بنما، يعيش الممر المائي العريق فترةً من الازدهار.
فقد عززت اضطرابات التجارة العالمية، الناجمة عن أزمة مضيق هرمز وانعدام اليقين بشأن الرسوم الجمركية الأميركية، الطلب على الممر الملاحي الرابط بين المحيطين، فدفعت إيرادات القناة وأرباحها إلى مستويات قياسية. وارتفعت حركة المرور بأكثر من 6%، إلى 10 آلاف و623 عملية عبور للسفن خلال الأشهر العشرة المنتهية في يوليو، ما يعكس تنامي أهمية القناة للتجارة العالمية. كما دفعت ندرة حصص العبور شركات الشحن إلى عرض ملايين الدولارات في مزادات أُجريت هذا الشهر، لضمان مرور السفن غير المدرجة على الجداول عبر الممر المائي المزدحم.
ويبدو أن ترمب نسي أمر بنما هذه الأيام، ما أراح السكان المحليين. غير أن التحدي الأكبر الذي يلوح في أفق القناة لا يرتبط فعلياً بهواجس البيت الأبيض، ولا بالتنافس بين الولايات المتحدة والصين، ولا بأمن بنيتها التحتية الاستراتيجية.
المياه تتصدر تحديات قناة بنما إنها المياه. فخلال العقود المقبلة، سيتزايد تأثير تغير المناخ وتحول أنماط هطول الأمطار على النشاط التقليدي لقناة بنما. غير أن هذه التحولات تمنح الممر المائي الشهير فرصةً لإعادة ابتكار نفسه، والتحول من مجرد طريق للسفن إلى مركز لنقل مختلف الأشياء، من البضائع إلى الطاقة، ومن الغرب إلى الشرق والعكس، عبر مسارات متعددة، مستفيداً من موقع بنما الاستثنائي وضيق رقعتها الجغرافية.
ويرى ريكورتي فاسكيز موراليس، التكنوقراطي اللبق الذي تنتهي الشهر المقبل ولايته الممتدة سبعة أعوام مديراً للقناة، أن التحدي يكمن في نقل التركيز من السفن إلى البضائع. وقال هذا الأسبوع، خلال مقابلة في المبنى التاريخي لإدارة قناة بنما: "يجب تنويع طرق نقل البضائع. وعلى البلاد أن تتطور في هذا الاتجاه، مستندةً إلى حقيقة امتلاكها القناة، وأن تصبح نقطة عبور لمختلف أنواع البضائع".
إنها استراتيجية طموحة ومعقدة، تحمل في طياتها عوائد محتملة هائلة.
لكن عودة ظاهرة "إل نينيو" تهدد بجلب موجة جفاف حادة إلى أميركا الوسطى، ما دفع هيئة قناة بنما (ACP)، المشغلة المستقلة للممر المائي، إلى إعلان قيود على حصص العبور اليومية بدءاً من سبتمبر. ويهدف القرار إلى ترشيد استهلاك المياه قدر الإمكان مع اقتراب موسم الجفاف، الذي يبدأ عادةً في ديسمبر.
لا تزال موجة الجفاف الشديدة خلال عامي 2023 و2024 حاضرةً في أذهان البنميين، بعدما أجبرت القناة على تقليص حركة العبور اليومية، فعطلت التجارة العالمية وألحقت الضرر باقتصاد البلاد. ولم تكن تلك أزمةً عابرة؛ فإذا كان ثمة مكان يمكن فيه رصد آثار التقلبات المناخية لحظةً بلحظة، فهو بنما.
ويقول فاسكيز موراليس، البالغ 73 عاماً، إن الأعوام الـ25 الماضية كشفت عن "اتجاه واضح" نحو تراجع معدلات هطول الأمطار، بالتزامن مع ازدياد تقلب دوراتها، ما يجعل توافر المياه خطراً وجودياً يهدد مستقبل القناة. وأضاف: "بخلاف القنوات الأخرى في العالم، تواجه هذه القناة قيوداً مرتبطةً بمياه الأمطار. وتظل المياه العامل الحاسم".
استهلاك المياه يسرّع استثمارات قناة بنما رغم وفرة الموارد المائية في بنما، فإن الجمع بين الاستهلاك البشري ونقل البضائع، بالتزامن مع أنماط هطول الأمطار، بدأ يترك آثاره. فكل سفينة تعبر القناة، البالغ طولها 50 ميلاً، تستهلك نحو 52 مليون غالون، أو قرابة 200 مليون لتر، من المياه العذبة المسحوبة من الخزانات الاصطناعية في البلاد. وتُستخدم المياه لرفع السفن وخفضها عبر نظام من الأهوسة قبل أن تتدفق إلى المحيط. غير أن البحيرات نفسها تمد السكان المحليين بمياه الشرب، في وقت يسجل فيه البنميون معدلات استهلاك مرتفعة؛ إذ تُصنف بنما، وفق بعض المقاييس، ضمن دول أميركا اللاتينية الأعلى استهلاكاً للمياه للفرد.
ويثير ذلك توتراً متزايداً بين احتياجات الاستهلاك البشري ومتطلبات القناة والأنشطة الأخرى، وهو توتر سيُعالَج في النهاية عبر الاستثمار في البنية التحتية، لا الجغرافيا السياسية. وسيتعين على الهيئة وبنما عموماً تسريع الاستثمارات في الخزانات ومحطات معالجة المياه، إلى جانب تطبيق تدابير للترشيد، استعداداً لمستقبل تتراجع فيه الموارد المائية.
وتراهن القناة في استجابتها طويلة الأجل على مشروع خزان ريو إنديو، البالغة تكلفته 1.5 مليار دولار، والذي تصفه بأنه "الخيار الأكثر جدوى" لضمان إمدادات المياه لأكثر.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من الشرق بلومبرغ
