حتى الوداع في غزة ليس ككل الوداعات، وحتى الموت هناك لا ينتهي حين يتوقف القلب؛ فثمة شهداء يبقون عالقين تحت بيوتهم المهدومة، وثمة عوائل لا تملك رفاهية الحزن على قبور أحبائها، لأنها لا تعرف أين تنتهي أجسادهم وأين يبدأ الركام، في غزة، قد يرحل الإنسان في لحظة، لكن دفنه قد يحتاج إلى شهور، وقد يظل أهله معلقين بين اليقين بالفقد والعجز عن الوصول، ينتظرون جثمانا يعرفون أنه قريب منهم، لكن أطنان الإسمنت والحديد تحول بينهم وبينه.
روان شبير واحدة من هؤلاء الذين طال انتظارهم تحت الركام، في السادس من أيلول/سبتمبر 2025، استهدف الاحتلال منزلها المؤلف من خمسة طوابق بثلاثة صواريخ، فانهار المنزل فوق من بداخله، في ذلك القصف استشهدت روان وطفلها محمد، فيما نجا طفلاها يامن وجودي من تحت الأنقاض مصابين، خرج الطفلان من بين الركام، لكن أمهما بقيت في المكان نفسه، تحت ما تبقى من منزل كان يوما ملاذ العائلة وذاكرتها وتفاصيل حياتها.
لم تكن روان بعيدة عن أهلها طوال ذلك العام؛ كانت أقرب من أن تسمى غائبة، وأبعد من أن تطالها أيديهم، كانوا يعرفون أنها تحت الركام، لكن الوصول إليها كان يحتاج إلى معدات وآليات قادرة على رفع ما انهار فوقها، وهي إمكانات لم تكن متوفرة بما يكفي أمام حجم الدمار، وهكذا أصبح الركام حاجزا بين أم وأطفالها، وبين جثمان امرأة وأهلها الذين لم يطلبوا طوال تلك الأشهر أكثر من أن يجدوا لها موضعا في الأرض بدل أن تبقى تحت منزلها.
ومع مرور الأيام، لم يكن الألم يهدأ بقدر ما كان يتخذ شكلا آخر، يامن وجودي، اللذان نجيا من القصف بإصابات جسدية، كان عليهما أن يحملا غياب أمهما إلى جانب جراحهما، عام كامل مر وهما يعرفان أن روان ليست في مكان مجهول؛ هي هناك، تحت البيت الذي انهار فوقها، لكن لا سبيل إليهما إليها، لم يستطيعا أن يقفا عند قبرها، لأن قبرها لم يكن قد وجد بعد، ولم يستطيعا أن يودعاها، لأن الوداع نفسه كان مؤجلا إلى أن تتمكن الأيادي من الوصول إليها.
وفي الثلاثين من آب/أغسطس 2026، وبعد 359 يوما من بقائها تحت الركام، بدأ استخراج رفات روان، انفتح في ذلك اليوم طريق إلى امرأة ظلت العائلة تنتظرها قرابة عام،.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من قناة رؤيا
