أما قبل؛ فإنَّني ما التقيتُ بمديرٍ إلا حدّثني عن نجاحاته، وما التقيتُ بوزيرٍ إلا حدَّثني عن إنجازاته، وما جلستُ إلى نائبِ أُمّةٍ إلا حدّثني عن الإصلاح، وما اقتربتُ من طالب دكتوراه إلا أخبرني أنّه أضاف إلى العلم ما لم يُضفه السابقون، وما جلستُ إلى كاتبٍ إلا أقسم لي أنَّه تجاوز "طه حسين"، بل إنَّني ما تعثّرتُ بفاسدٍ قط إلا وجدته أكثر
حديثاً عن النزاهة والقيم والأخلاق، ومع كلِّ تلك الأحداث؛ فإنَّنا لم نتعلَّم بعد! ولا أدري لماذا؟ ربما لأنَّ إِكرام
دفنه.
إنَّه بعد هذا الطوفان الهائل من النجاحات والإنجازات والإصلاحات والإضافات العلمية والتفوق الأدبي والأخلاق الرفيعة، جلستُ أبحث عن أثرٍ واحدٍ لكلِّ ذلك؛ فلم أجد سوى أنَّ المشكلة تكمُن في عيني، أو قد تكون في سوء تقديري، أو ربما في
نفسه! لدرجة أنَّني بدأت أُقنع نفسي بأنَّ
قد تطوَّر إلى درجة جعلته عصيَّاً على الاكتشاف!
في الحقيقة أنَّنا لا نقتل التعليم؛ بل نكرِّمه حينما نرتدي له أفخم العبارات، ونرفع له الشعارات، ونقيم له المؤتمرات، ونكتب عنه الاستراتيجيَّات، ثم نحمله في جنازة رسميَّة تليق بمقامه السامي، ونقف دقيقة صمت؛ حداداً على ما تبقى من أثره، لنعود بعدها إلى مكاتبنا؛ فنتناول فنجاناً من القهوة التي تولِّد لنا القريحة الوقَّادة لكتابة شيءٍ جديدٍ عن النهضة.
وأما بعد؛ فإِنَّ الناظر إلى ما يحدث في بلادنا؛ سيدرك تماماً أنَّه ليس مهماً أن تكون صاحب مشروع علمي لكي تكون مسؤولاً عن التعليم، كما أنَّك لا تحتاج أن تكون صاحب رؤية لكي تكون وصياً على مستقبل أجيال كاملة! فكلُّ ما يتطلَّبه الأمر منك هو أن تكون (مناسباً للمناسبة)، وهذه هي العبقرية الإدارية التي لم تكتشفها
بعد! فالتعليم في بعض ثقافاتنا الإدارية ليس علماً ولا بحثاً ولا عقلاً نقدياً ولا إنتاجاً للمعرفة، إنَّه مجرد ساحة اجتماعية واسعة يمكن أن تعقد فيها جلسات المجاملة، وتوزعَّ فيها المقاعد، وترد فيها المجاملات، وتسدَّد فيها الفواتير القديمة! أما الكفاءة؛ فليست سوى ضيفٌ ثقيلُ الظلِّ قد يُفسد علينا حفلة التعيينات.
إنَّ ما يحدث في بعض التنسيبات والتعيينات المتعلِّقة بمجالس أُمناء
ليس تفصيلاً إدارياً عابراً؛ لأنَّ
الأمناء ليس مجلساً اجتماعياً لإكمال النصاب، ولا صالونا لتبادل التحيَّات، ولا جائزة ترضية لمن انتهت مهمته في مكان آخر. بل إنَّه في أبسط تعريفاته يُعدُّ واحداً من المواقع التي يُفترض أن يؤتمن أصحابها على مستقبل المعرفة. لذلك يصبح الأمر مثيراً للسخرية حينما يكون الأكاديمي الذي تحيط به شبهات حول النزاهة العلميَّة قد وجد طريقه إلى موقع يفترض أن يكون عنواناً للنزاهة، أو حين يتحوَّل المال إلى مؤهل أكاديمي غير مكتوب في الشهادات، فيصبح من يملك القدرة على شراء الدراسات والبحوث الجاهزة والموافقات المعلَّبة شريكاً فاعلاً في صناعة القرار العلمي.
إنَّه من المؤسف حقاً أن يكون بين الأكاديميين من تثار حوله شبهات سرقة أكثر من عشرة أبحاث علمية، ثم يجد طريقه إلى منصب عميد لإحدى الكليَّات؛ المنصب الذي لم يحصل عليه بفضل إنتاجه العلمي ولا بتميُّز أبحاثه، وإنما لأنَّه كما يقال في لغة المجالس: ("شوال مصاري"، "كريم اليد في توزيع العطايا"، و.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من وكالة أنباء سرايا الإخباريه
