في وقت تكافح فيه البنوك حول العالم لجذب المودعين بفوائد تتراوح في كثير من الاقتصادات المتقدمة بين 2% و5%، تبدو تركيا وكأنها تلعب في دوري مختلف تماماً، إذ تعرض بنوك تركية عوائد على الودائع بالليرة تصل إلى نحو 46% سنوياً، بل تتجاوزها في بعض الحالات، ما يطرح سؤالاً مغرياً للمستثمرين: هل يمكن تحقيق أرباح استثنائية ببساطة عبر تحويل الأموال إلى الليرة وإيداعها في بنك تركي؟
الإجابة ليست بهذه السهولة، فخلف الفائدة الضخمة يقف عاملان قادران على التهام جزء كبير من الأرباح: تراجع الليرة والتضخم المرتفع.
وبحسب بيانات منصة «هانغي كريدي» التركية المحدثة في 1 سبتمبر 2026، يقدم «أناضولو بنك» عائداً يصل إلى 46%، فيما يصل العائد لدى «ألترناتيف بنك» إلى 45%، و44% لدى «دينيز بنك»، مع اختلاف النسبة بحسب حجم الوديعة وفترة الاستحقاق وشروط كل حساب. وتظهر بيانات «ألترناتيف بنك» نفسه أن الفائدة الترحيبية على بعض ودائع الليرة تصل إلى 45%.
ولا تبدو هذه المستويات استثنائية عند مقارنتها بمتوسط السوق التركية، إذ أظهرت بيانات البنك المركزي التركي أن متوسط الفائدة على الودائع بالليرة بلغ نحو 46.7% في الأسبوع المنتهي في 17 يوليو.
وديعة الليرة التركية.. أداة جديدة لخفض كلفة التجارة مع سوريا
لماذا تدفع البنوك 45%؟
الفائدة الضخمة ليست «أموالاً مجانية»، بل انعكاس مباشر للسياسة النقدية شديدة التشدد التي تتبعها تركيا لمحاربة التضخم ودعم الليرة.
وأبقى البنك المركزي التركي في اجتماعه الأخير سعر الفائدة الرئيسي عند 37%، مؤكداً أنه سيحافظ على سياسة نقدية مشددة إلى أن يتحقق استقرار الأسعار.
ولا يزال التضخم مرتفعاً رغم تراجعه الكبير عن المستويات التي سجلها خلال السنوات الماضية. فقد أظهرت بيانات معهد الإحصاء التركي أن أسعار المستهلك ارتفعت 31.75% على أساس سنوي في يوليو، مقابل ارتفاع شهري بلغ 1.78%.
وهنا تظهر المفارقة الأولى: فائدة 45% تبدو هائلة بالمقاييس العالمية، لكنها تصبح أقل استثنائية عندما يكون التضخم السنوي أعلى من 30%.
الليرة.. الخطر الأكبر
بالنسبة إلى المستثمر الأجنبي، لا يمثل التضخم الخطر الأساسي بقدر ما يمثل سعر صرف الليرة مقابل الدولار. ففي 2 يناير 2026 كان الدولار يساوي نحو 43.04 ليرة، بينما ارتفع السعر في 1 سبتمبر إلى نحو 48.27 ليرة للدولار، ما يعني أن الدولار ارتفع بأكثر من 12% مقابل العملة التركية منذ بداية العام، أو أن الليرة فقدت نحو 11% من قيمتها مقابل الدولار.
وهذا ليس حدثاً جديداً. فقد خسرت الليرة، وفق «رويترز»، نحو 44% من قيمتها في 2021، و29% في 2022، و37% في 2023، ثم 16% في 2024.
ولهذا فإن المستثمر الذي يحمل الدولار أو اليورو لا ينبغي أن ينظر إلى نسبة الفائدة وحدها، بل إلى العائد بعد تحويل الأموال مجدداً إلى عملته الأصلية.
الليرة التركية تتهاوى لمستويات تاريخية.. هل تصمد أمام نيران التضخم؟
الضرائب تأخذ حصتها
كما أن العائد المعلن ليس بالضرورة ما يصل بالكامل إلى جيب المستثمر. تركيا تفرض اقتطاعاً ضريبياً على فوائد الودائع، وقد رفعت في يوليو 2025 الضريبة على الودائع قصيرة الأجل بالليرة، إذ وصلت للودائع التي تستحق خلال مدة تصل إلى 6 أشهر إلى 17.5% من دخل الفائدة، وفق «رويترز»، بينما تختلف النسب بحسب مدة الوديعة والقواعد السارية.
وبالتالي فإن مقارنة العائد التركي بوديعة دولارية أو استثمار آخر يجب أن تتم باستخدام العائد الصافي بعد الضريبة وليس الفائدة الاسمية المعلنة فقط.
كما أن تركيا تمتلك تاريخاً طويلاً من انخفاض قيمة العملة، وقد دفعت أزمة الليرة السلطات سابقاً إلى إطلاق برنامج الودائع المحمية من تقلبات الصرف، قبل أن ينهي البنك المركزي فتح وتجديد هذه الحسابات في أغسطس 2025 في إطار العودة إلى السياسات النقدية التقليدية. وقدرت تكلفة البرنامج بنحو 60 مليار دولار، بحسب «رويترز».
وهكذا، فإن عائد 45% ليس بالضرورة فرصة استثمارية استثنائية، كما أنه ليس بالضرورة فخاً.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس
