3.5 مليار جنيه إسترليني.. الرقم الذي لم يعد يصف سوقًا بل يصف إمبراطورية
في إنجلترا، لم يعد سوق الانتقالات مجرد فترة تشتري فيها الأندية لاعبين لسد ثغرات تشكيلاتها، بل أصبح موسمًا موازيًا لكرة القدم نفسها؛ مباريات تُحسم على العشب، ومباريات أخرى تُحسم خلف المكاتب، حيث تتغير قيمة اللاعبين من أسبوع إلى آخر وكأن السوق يعيش بمنطق البورصة.
صيف 2026 كتب فصلًا جديدًا في هذه الحكاية بعدما أنفقت أندية الدوري الإنجليزي الممتاز نحو 3.46 مليار جنيه إسترليني، محطمًة الرقم القياسي السابق للمرة الثانية على التوالي. وللمقارنة، لم يتجاوز الإنفاق الإنجليزي في صيف 2021 نحو 1.13 مليار جنيه، أي أن السوق تضاعف أكثر من ثلاث مرات خلال خمس سنوات فقط. الرقم ضخم إلى درجة أنه يجعل السؤال الحقيقي مختلفًا: ماذا يحدث لكرة القدم الإنجليزية عندما تصبح قدرتها الشرائية أكبر من قدرة معظم منافسيها الأوروبيين مجتمعين؟
من إنزو إلى باركولا.. عندما أصبحت الصفقة التي تتجاوز المئة مليون شيئًا عاديًا
قبل سنوات قليلة، كان تجاوز حاجز المئة مليون جنيه كافيًا ليصبح الانتقال حدثًا استثنائيًا، أما في صيف 2026 فقد حدث الأمر أربع مرات على الأقل داخل الدوري الإنجليزي وحده. إنزو فرنانديز انتقل من تشيلسي إلى مانشستر سيتي مقابل 125 مليون جنيه، وإليوت أندرسون وصل إلى سيتي من نوتنجهام فورست مقابل 116 مليونًا، ومورجان روجرز انتقل إلى تشيلسي مقابل 117 مليونًا، بينما دفع ليفربول نحو 123 مليونًا لضم برادلي باركولا من باريس سان جيرمان.
والأغرب أن هذه الأرقام لم تعد تبدو كأنها كسرت السوق، بل كأن السوق نفسه أعاد تعريف معنى "السعر الكبير". اللاعب الذي كان يمكن أن يكلف 50 مليونًا أصبح بـ80، والذي كان يصل إلى 80 أصبح قريبًا من 120، وكأن التضخم لم يعد ظاهرة اقتصادية تحيط بكرة القدم، بل أصبح جزءًا من لغتها اليومية.
مانشستر سيتي.. 458 مليون جنيه لمطاردة شيء لا يُشترى بالمال
في قلب هذا الجنون وقف مانشستر سيتي، الذي تصدر قائمة الإنفاق بعدما دفع نحو 458 مليون جنيه في صيف واحد، بينها صفقتا إنزو فرنانديز وإليوت أندرسون وحدهما بقيمة تقترب من ربع مليار جنيه. لكن قراءة ميركاتو سيتي باعتباره مجرد إنفاق مبالغ فيه ستكون سطحية؛ النادي كان يعيد تشكيل منظومة تحتاج إلى التجديد بعد سنوات من السيطرة، ويبحث عن لاعبين قادرين على إبقاء الفريق داخل دائرة المنافسة عندما تبدأ أعمدة الجيل السابق في التراجع. هنا يتحول المال من وسيلة لشراء النجوم إلى وسيلة لشراء الاستمرارية؛ فالنادي لا يدفع فقط مقابل ما يستطيع اللاعب تقديمه اليوم، وإنما مقابل السنوات التي يريد أن يضمنها لنفسه غدًا.
وهذه هي إحدى نقاط قوة الدوري الإنجليزي: عندما تمتلك الأندية القدرة على إعادة بناء نفسها قبل أن تسقط، يصبح التراجع أصعب بكثير.
تشيلسي.. الإنفاق الكبير الذي يخفي وراءه منطقًا أكثر تعقيدًا
تشيلسي جاء ثانيًا في الإنفاق بنحو 349 مليون جنيه، لكنه قدم نموذجًا مختلفًا؛ النادي لم يكن يشتري الأسماء فقط، بل كان يعيد تركيب فريقه وفق رؤية جديدة مع وجود تشابي ألونسو على رأس الجهاز الفني. الصفقة الأكبر كانت مورجان روجرز، الذي كلف نحو 117 مليون جنيه قادمًا من أستون فيلا، بينما أضاف النادي عددًا من العناصر ذات الخبرة إلى قائمة شابة في الأصل.
لكن المفارقة أن تشيلسي لم يكن من أكثر الأندية إنفاقًا فقط؛ بل كان من أكثرها نشاطًا في البيع أيضًا، وهو ما يعكس محاولة مستمرة لتحقيق التوازن بين متطلبات الملعب والقيود المالية. لذلك فإن النظر إلى فاتورة الشراء وحدها قد يكون مضللًا؛ كرة القدم الحديثة لا تسأل فقط "كم دفعت؟"، بل تسأل أيضًا "كم بعت؟ وماذا بقي من القيمة داخل النادي؟".
ليفربول.. صفقة واحدة ضخمة قد تكون أخطر من عشر صفقات صغيرة
ليفربول اختار طريقًا مختلفًا. بدل أن يفتح الباب أمام مجموعة هائلة من الصفقات، جعل برادلي باركولا محورًا رئيسيًا لسوقه، في صفقة بلغت نحو 123 مليون جنيه.
هذه الاستراتيجية تحمل مخاطرة واضحة، لكنها تحمل أيضًا منطقًا رياضيًا؛ اللاعب الكبير قد يحل مشكلة كبيرة دفعة واحدة، بينما شراء خمسة لاعبين متوسطين لا يعني بالضرورة الحصول على لاعب واحد قادر على تغيير مستوى الفريق.
باركولا جاء إلى فريق يعرف كيف يهاجم المساحات ويحتاج إلى جودة فردية قادرة على تحويل السيطرة إلى أهداف، وبالتالي فإن الصفقة ليست مجرد استثمار مالي، وإنما رهان على أن لاعبًا واحدًا يمكن أن يرفع سقف منظومة كاملة. وفي سوق أصبحت فيه الجودة نادرة ومكلفة، ربما يكون دفع 123 مليونًا للاعب تثق فيه أقل مخاطرة من إنفاق الرقم نفسه على مجموعة من الأسماء غير المضمونة.
أرسنال.. 194 مليون جنيه وسؤال ظل معلقًا في المقدمة
أرسنال أنفق نحو 194 مليون جنيه، وكان من أكثر الأندية وضوحًا في تدعيم خط الوسط والدفاع، لكنه أنهى السوق مع علامة استفهام هجومية ظلت واضحة؛ الفريق لم يضم المهاجم الصريح الذي كان يمكن أن يحول قوته في بناء اللعب والسيطرة إلى تهديد أكثر استمرارية أمام المرمى. المفارقة أن الإنفاق الكبير لا يعني بالضرورة أن كل الاحتياجات تم حلها. أحيانًا تكشف نافذة الانتقالات قيمة ما لم يحدث بقدر ما تكشف قيمة ما حدث.
أرسنال استطاع إضافة برونو جيماريش وإزري كونسا وبيرو هينكابي، لكن السؤال سيظل.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من جريدة أوليه الرياضية