تسارعت ترسيات عقود الإنشاءات في السعودية خلال النصف الأول من 2026، مع ارتفاعها بنسبة 82% على أساس سنوي، في وقت تراجع فيه «صندوق الاستثمارات العامة» (PIF) إلى المرتبة الخامسة بين أكبر الجهات المانحة للعقود، ما يعكس تحولاً في هيكل الطلب على المشروعات مع اتساع مساهمة جهات حكومية ومطورين آخرين في دورة الإنفاق الرأسمالي.
وارتفعت قيمة عقود مقاولات البناء إلى 32 مليار دولار خلال الأشهر الستة الأولى من العام، مقابل 17 مليار دولار في الفترة المقابلة من 2025، بحسب بيانات منصة «سكافو» (Scavo) التابعة لـ«الهيئة السعودية للمقاولين»، رغم تداعيات الحرب مع إيران.
تشير البيانات، التي نقلها موقع (AGBI) وعُرضت خلال مؤتمر «بيغ 5 كونستراكت السعودية» (Big 5 Construct Saudi) في الرياض هذا الأسبوع، إلى أن نمو سوق الإنشاءات يتزامن مع إعادة توزيع الإنفاق بين الجهات المطورة للمشروعات، في ظل خفض «صندوق الاستثمارات العامة» وتيرة الإنفاق على بعض المشروعات العملاقة، مقابل توجهه إلى زيادة مساهمة رأس المال الخاص في تمويل الاستثمارات.
وكان الصندوق السيادي في صدارة الجهات المحركة للمشروعات الكبرى في المملكة خلال السنوات الماضية، إلا أنه حلّ خامساً من حيث قيمة المشروعات المعلنة خلال النصف الأول، على خلاف تقديرات سابقة لـ«سكافو» كانت ترجح تصدره قائمة العملاء في 2026.
تقدمت عليه «عادل العقارية»، و«الهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة»، و«شركة نادي الاتحاد»، و«الهيئة الملكية لمدينة الرياض»، التي شغلت المراكز الأربعة الأولى من حيث قيمة المشروعات المعلنة.
منصة رقمية لمشتريات قطاع مواد البناء في السعودية
ارتفاع عقود المقاولات والبنية التحتية إلى 32 مليار دولار
جاء النمو الأكبر من قطاع البناء، إذ ارتفعت قيمة العقود المسندة إلى 32 مليار دولار في النصف الأول، من 17 مليار دولار قبل عام، فيما اقتربت عقود البنية التحتية من الضعف لتصل إلى 7 مليارات دولار.
في الاتجاه المقابل، انخفضت قيمة عقود الكهرباء والمياه بنحو 60% إلى 5 مليارات دولار، إلا أن محمود حسن من «سكافو» أرجع التراجع إلى إعادة توزيع الترسيات بين القطاعات، وليس إلى ضعف عام في سوق المشروعات.
ويعكس التباين بين القطاعات تغيراً في تركيبة العقود الجديدة أكثر من كونه تباطؤاً في النشاط الإنشائي ككل، إذ جاء الانخفاض في مشروعات الكهرباء والمياه بالتوازي مع نمو حاد في عقود البناء والبنية التحتية.
كما تكتسب الزيادة في قيمة العقود أهمية إضافية بالنظر إلى تغير هوية الجهات التي تقود الترسيات. فالسوق سجلت نمواً قوياً في وقت تراجع فيه ترتيب «صندوق الاستثمارات العامة» بين كبار العملاء، ما يشير إلى توزيع أوسع للطلب على أعمال المقاولات مقارنة بمرحلة كان فيها جانب أكبر من المشروعات الضخمة مرتبطاً بالصندوق ومحفظته الاستثمارية.
خفض «صندوق الاستثمارات العامة» السعودي ميزانيات بعض المشاريع حتى 60% في 2024.
أكبر العقود المسجلة وتراجع الوزن النسبي للإنفاق السيادي
تصدر مشروع «أمايا» (Amaya) في جدة قائمة أكبر العقود التي تمت ترسيتها خلال النصف الأول، بقيمة 4 مليارات دولار، ويتضمن برجاً لصالح «منظمة ترامب» (Trump Organization) والمطور العقاري «دار غلوبال» (Dar Global).
وحل مشروع تمديد مدرج «مطار الملك سلمان الدولي» في الرياض ثانياً بقيمة 3 مليارات دولار، وكان المشروع الوحيد التابع لـ«صندوق الاستثمارات العامة» ضمن قائمة أكبر 10 مشروعات سجلتها «سكافو» خلال الفترة.
ويظهر تراجع الوزن النسبي للصندوق بصورة أوضح في البيانات الشهرية التي تشمل مشروعات ووحدات «الدرعية»، و«روشن» (Roshn)، و«القدية»، و«رؤى المدينة».
بلغت حصة الصندوق 65% من إجمالي قيمة عقود المقاولات في أبريل، مدفوعة بصورة رئيسية بعقد واحد بقيمة 2.06 مليار دولار لمشروع «رؤى المدينة»، قبل أن تنخفض إلى أقل من 5% في يونيو.
يعني ذلك أن الارتفاع الكبير في حصة الصندوق خلال بعض الأشهر لا يعكس بالضرورة مستوى ثابتاً من الترسيات، إذ يمكن لعقد كبير واحد أن يرفع حصته بصورة حادة، بينما تكشف بيانات يونيو عن تراجع ملموس في وزنه ضمن التدفقات الجديدة للعقود.
ارتفاع الرقم القياسي لتكاليف البناء في السعودية 2.3% خلال يوليو
إعادة ضبط استراتيجية الإنفاق وزيادة مشاركة القطاع الخاص
بدأت إعادة ترتيب الإنفاق لدى «صندوق الاستثمارات العامة» قبل 2026، إذ خفض في نهاية 2024 التمويل الموجه إلى عدد من الشركات المسؤولة عن تنفيذ محفظة مشروعاته.
وفي فبراير الماضي، تحدث وزير الاستثمار السعودي السابق خالد الفالح علناً عن الحاجة إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، مشيراً إلى أن انخفاض جدوى بعض المشروعات، مثل «ذا لاين»، وظهور أولويات جديدة يستلزمان إبطاء بعض المشاريع. وبعد أيام، شهدت وزارة الاستثمار تغييراً في قيادتها بتعيين فهد آل سيف وزيراً خلفاً للفالح.
وفي أحدث التغييرات الإدارية المرتبطة بالمشروعات الكبرى، شهد مشروع «المربع الجديد» (New Murabba) الأسبوع الماضي تغييراً في قيادته، مع تعيين صباح بركات رئيساً تنفيذياً بالإنابة خلفاً لمايكل دايك.
وتضع استراتيجية الصندوق للفترة 2026-2030، المنشورة في أغسطس، مشاركة القطاع الخاص في موقع أكثر تقدماً ضمن نموذج تمويل الاستثمارات، مع تأكيدها وجود «دور واضح ومتنامٍ للقطاع الخاص».
في المقابل، لم تتضمن الاستراتيجية إشارة إلى مشروعي «ذا لاين» (The Line) و«تروجينا» (Trojena)، وهما من أبرز مشروعات «نيوم» (Neom) التي استقطبت إنفاقاً بمليارات الدولارات خلال السنوات الماضية.
تحول هيكل الطلب وصمود سوق الإنشاءات السعودي
تغير تركيبة العقود يضيف بعداً جديداً إلى توقعات سوق الإنشاءات السعودي، بعدما كان محللون يرجحون أن تظل المشروعات العملاقة المدعومة من «صندوق الاستثمارات العامة» الجزء الأكثر صموداً في دورة المشروعات، خصوصاً مع ارتفاع المخاطر الاقتصادية والجيوسياسية.
وقالت الأستاذة المشاركة في «جامعة لوسيل» في قطر، هالة منياوي، في تصريحات سابقة لـ«AGBI»، إن الاستثمارات المرتبطة بالعقود المدعومة من الدولة وبرامج البنية التحتية الكبرى تكون عموماً أكثر قدرة على الصمود أمام الضغوط.
في حين اعتبرت أن الاستثمارات الاختيارية في المشروعات الجديدة (Greenfield Investment) أكثر عرضة للتباطؤ، نظراً إلى قدرة الشركات على تأجيل قراراتها الاستثمارية أو إعادة توجيه رأس المال، مرجحة أن تكون هذه الفئة أول ما يتأثر في حال ظهور تباطؤ على المدى القريب.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

