فجوة النقد الأجنبي تتسع في ليبيا.. هل يواجه الدينار خفضاً جديداً؟

تواجه ليبيا فجوة متزايدة في النقد الأجنبي اقتربت من 5 مليارات دولار خلال ثمانية أشهر، لتضيف ضغوطًا جديدة على الدينار وسعر الصرف، وتكرّس مساراً مالياً مقلقاً للعام الثاني على التوالي في اقتصاد نفطي يعتمد على إيرادات النفط بنحو 90%، وسط تحديات متصاعدة في إدارة الموارد.

يمثل هذا العجز إنذاراً مبكراً، وتأكيداً على أن ليبيا تواجه مرحلة متزايدة من الضغوط على الدينار وسعر الصرف، بحسب خبراء ومسؤول رقابي حالي تحدثوا لـ«إرم بزنس»، مؤكدين أهمية التحرك سريعاً لتفادي أي خفض جديد لقيمة الدينار أمام الدولار، وفي مقدمة الحلول ضبط الإنفاق الحكومي.

وارتفع سعر صرف الدولار أمام الدينار في السوق الموازية، الإثنين، مسجلًا 9.44 دينار، مقابل 9.38 دينار، الأحد.

عجز ليبي مستمر

وفي 10 سبتمبر الجاري، كشف مصرف ليبيا المركزي تسجيل عجز في استخدامات النقد الأجنبي بنحو 4.9 مليار دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، وذلك في بيان تفصيلي نشره عبر صفحته على «فيسبوك» عن النفقات والإيرادات خلال الفترة من أول يناير إلى 31 أغسطس 2026.

أوضح «المركزي الليبي» أن إجمالي الإيرادات النفطية خلال تلك الفترة بلغ 15.2 مليار دولار، بينما بلغ إجمالي الاستخدامات والالتزامات القائمة بالنقد الأجنبي 20.1 مليار دولار، لافتًا إلى أن إجمالي الأصول الأجنبية لدى المصرف المركزي بلغ في نهاية أغسطس 96 مليار دولار.

إنذار مبكر

يرى وزير الدولة لشؤون الاقتصاد السابق ورئيس مجلس المنافسة ومنع الاحتكار الليبي الحالي، الدكتور سلامة الغويل، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن العجز في النقد الأجنبي ليس مجرد رقم في بيان مالي، بل يمثل إنذاراً واضحاً بوجود خلل عميق في إدارة الاقتصاد الليبي.

ويعتقد أن ذلك العجز «ستكون انعكاساته المباشرة مزيداً من الضغط على الدينار وسعر الصرف والأسعار والقوة الشرائية، في وقت يعيش فيه المواطن الليبي أوضاعاً معيشية صعبة لا تتناسب إطلاقاً مع حجم موارد بلاده».

مبيعات النفط تعزز إيرادات ليبيا إلى 15.6 مليار دولار خلال 8 أشهر

كما شدد على أن «المشكلة الحقيقية أن ليبيا لا تعاني من فقر الموارد، وإنما من سوء إدارتها، ومن الانقسام المؤسسي، وضعف الشفافية، وتضخم الإنفاق الجاري، وغياب سياسة اقتصادية وتجارية واضحة».

ويعتقد أن «معالجة الأزمة لا تكون باستنزاف الاحتياطيات أو تعديل سعر الصرف كلما تفاقمت الاختلالات، وإنما بتوحيد السلطة التنفيذية، وإقرار موازنة وطنية شفافة، وضبط الإنفاق، وإخضاع الاعتمادات والإنفاق العام للرقابة والمساءلة، وتفعيل قوانين المنافسة ومنع الاحتكار، ودعم الإنتاج والقطاع الخاص الحقيقي، وحماية المستهلك والقوة الشرائية للدينار».

ضغوط تتزايد

من جانبه، يرى رئيس منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي والتنمية، المحلل الاقتصادي خالد بوزعكوك، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن اتساع فجوة العجز في النقد الأجنبي إلى قرابة 5 مليارات دولار يمثل رقماً كبيراً يتسع بمرور الوقت، وله تداعيات سلبية، خصوصًا أنه المحرك الأول للضغط على الدينار الليبي.

وأرجع بوزعكوك ذلك إلى أسباب، منها «اعتماد الميزانية شبه الكامل على مصدر وحيد، وهو النفط، الذي يشكل 95% من تمويل الميزانية، وهو سلعة متغيرة ومتأرجحة، بخلاف اعتماد الدولة الليبية على الاستيراد من الخارج لتوفير نحو 90% من السلع، وارتفاع حجم وفاتورة الاستيراد سنويًا، بالإضافة إلى الإنفاق المزدوج والكبير للحكومتين، وضعف الرقابة المالية، وارتفاع حجم الدين العام، وغياب التقشف الحكومي».

عملة ليبية من فئة 20 ديناراً في مدينة غدامس الليبية.

ويعتقد بوزعكوك أن «تأثير العجز سيكون كبيراً في ارتفاع معدل التضخم السعري وتراجع القدرة الشرائية للمواطن، حيث تشهد أغلب السلع والخدمات ارتفاعات متتالية وصلت إلى 40%».

وعن أهم الحلول، يؤكد المحلل الاقتصادي خالد بوزعكوك أهمية تشكيل حكومة تكنوقراط موحدة، وتوحيد السياسة المالية للحد من الإنفاق غير المبرر، واتباع سياسة تقشف حكومي.

فجوة كبيرة تتسع

حذر رئيس قسم الاقتصاد بجامعة بنغازي، حلمي القماطي، في حديث لـ«إرم بزنس»، من تحول فجوة قدرها 4.9 مليار دولار في النقد الأجنبي إلى انخفاض جديد في قيمة الدينار، مشددًا على أن أزمة سعر الصرف انعكاس لاختلال مالي وهيكلي أعمق من قيمة العجز البالغة 4.9 مليار دولار.

وشدد على أن «المشكلة ليست في الدولار فقط، بل في بنية الاقتصاد، فإذا كان الاقتصاد ينتج سلعة واحدة تقريباً لتوليد معظم إيراداته الخارجية، بينما يستورد نسبة كبيرة من احتياجاته، فإن أي اختلال بين تدفقات الدولار واستخداماته سيظهر عاجلًا أو آجلًا في سوق الصرف».

ورداً على إمكانية أن يكون الحل هو خفض قيمة الدينار، أضاف حلمي القماطي: «قد يبدو خفض قيمة الدينار حلاً بسيطاً لتقليص الطلب على الدولار، لكن في ظل اقتصاد يعتمد على استيراد الغذاء والدواء والوقود والسلع الوسيطة والرأسمالية، فإن خفض قيمة الدينار قد يعني ببساطة ارتفاع تكلفة الاستيراد والأسعار».

ويعتقد أن التعامل مع هذا الأمر يتطلب حزمة متزامنة تتمثل في حماية الاحتياطات التي تقارب 96 مليار دولار، وضبط الاستيراد وتوجيهه نحو الأولويات دون منعه، وضبط الإنفاق العام دون المساس بالرواتب، التي تقارب نحو 46.9 مليار دينار، والدعم البالغ نحو 11.8 مليار دينار (1.86 مليار دولار)، والنفقات التسييرية البالغة نحو 9 مليارات دينار، بينما يظل الإنفاق التنموي أقل من مليار دينار.

ليبيا تعتمد آلية جديدة لتنظيم سقف التعاملات التجارية الخارجية

ويعتقد أن اقتصاد ليبيا، في ظل العجز المتواصل، يقف أمام مرحلة متزايدة من الضغوط على الدينار نتيجة اختلال بين قدرة الاقتصاد على توليد النقد الأجنبي وحجم الطلب عليه، معتبرًا عجز الـ4.9 مليار دولار إشارة إنذار مبكر.

وفي 18 يناير الماضي، خفض البنك المركزي قيمة العملة، الدينار، للمرة الثانية خلال 9 أشهر، بنسبة 14.7%، بهدف «الحفاظ على الاستقرار المالي»، مرجعًا قراره إلى الغياب المستمر لموازنة دولة موحدة واستمرار ازدواجية الإنفاق.

وفي 2024، سجل الإنفاق المزدوج 224 مليار دينار، نحو 46 مليار دولار، وفق بيان للمصرف المركزي في أبريل 2025، مما دفعه وقتها إلى خفض قيمة الدينار الليبي أمام العملات الأجنبية بنسبة 13.3%، ليصبح سعر الدولار 5.5677 دينار، في أول خفض رسمي لقيمة العملة منذ عام 2020، وسط مطالب للحكومتين بخفض الإنفاق.

واتفق الفرقاء الليبيون، في أبريل 2026، برعاية ومساندة دولية، على اعتماد أول موازنة موحدة للدولة بقيمة إجمالية بلغت نحو 190 مليار دينار ليبي، ما يعادل قرابة 30 مليار دولار، في خطوة تاريخية تعد الأولى من نوعها منذ أكثر من 13 عامًا من الانقسام المالي، دون أن تدخل حيز التنفيذ بعد، بحسب تقارير إعلامية ليبية.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ 53 دقيقة
منذ ساعة
منذ ساعتين
منذ ساعة
منذ ساعة
منذ 53 دقيقة
قناة CNBC عربية منذ ساعة
الشرق بلومبرغ منذ 20 ساعة
الشرق بلومبرغ منذ 3 ساعات
قناة العربية - الأسواق منذ 3 ساعات
الشرق بلومبرغ منذ ساعتين
قناة العربية - الأسواق منذ ساعتين
صحيفة الاقتصادية منذ 17 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 6 ساعات