سوريا تعيد ترتيب سوق النقد.. هل تستعيد الليرة قوتها؟

تتواصل الإجراءات المصرفية السورية لاستعادة عافية الليرة الوطنية، بعد نحو 12 عاماً من التراجعات، ودخول نظيرتها التركية جزءاً من التعاملات اليومية في بعض مناطق البلاد، وذلك عبر خطوات محلية، منها استبدال العملة القديمة، والبدء في سحب الليرة التركية، إلى جانب توسيع إجراءات الدفع الإلكتروني، بالتزامن مع قرارات دولية مرتبطة برفع دمشق من قائمة الإرهاب.

وتُعد خطوات ترتيب سوق النقد السوري بمثابة إنقاذ سريع للعملة الوطنية واستعادة عافيتها، بحسب ما يرى خبراء اقتصاد ومال تحدثوا لـ«إرم بزنس»، مؤكدين أن استعادة الليرة لقوتها تحتاج إلى إجراءات أخرى مرتبطة بقوة الاقتصاد والعملية الإنتاجية والناتج المحلي الإجمالي، ومعالجة ملف الطاقة واستقرار أسعار الوقود، وتنشيط الاستثمارات والتحويلات الخارجية، إلى جانب تطوير النظام المالي والمصرفي عبر التسريع في عملية التحول الرقمي الشامل.

وفقدت الليرة السورية أكثر من 99% من قيمتها منذ عام 2011.

وسجلت الليرة السورية، السبت، مستويات 135.75 ليرة للشراء و136.50 ليرة للبيع، ما وسّع هامش الفارق بين السعرين الموازي والرسمي إلى مستويات تقارب 12%.

ترتيبات تتواصل

على مدار شهور متواصلة، يشهد سوق النقد السوري، الذي تلقى جرعات دعم دولية مع رفع سوريا من قائمة الإرهاب، ترتيبات متواصلة، كان أبرزها في 13 سبتمبر الجاري، عندما أعلن مصرف سوريا المركزي إطلاق أول بطاقة دفع إلكتروني مصدرة محلياً في سوريا ومقبولة دولياً.

وأكد المصرف أن هذه الخطوة تمثل محطة جديدة في مسار تطوير منظومة الدفع والتحويل الإلكتروني، بعد إعادة ربط المنظومة بشبكة «ماستركارد» وتنفيذ أول معاملة ببطاقة «ماستركارد» دولية في سوريا منذ أكثر من 15 عاماً.

وجاءت هذه الخطوة بعد نحو شهر من إعلان المصرف، في 2 أغسطس الماضي، انتهاء العمل بالعملة السورية القديمة رسمياً بجميع فئاتها، بعد انتهاء فترة استبدالها التي بدأت مطلع عام 2026، في 30 يوليو الماضي، وسط تقديرات غير رسمية بأن نسبة الاستبدال تجاوزت 95% من إجمالي الكتلة النقدية.

وتزامنت هذه الخطوة المصرفية مع إجراءات أخرى لسحب الليرة التركية من الشمال السوري، ومع افتتاح مصرف سوريا المركزي، في يوليو الماضي، فرعه في محافظة إدلب بعد توقف دام سنوات، حيث أعلن عن خطة رسمية لسحب الليرة التركية تدريجياً من التداول وتوحيد السياسة النقدية بالعملة الوطنية.

وفي أواخر يوليو الماضي، أصدرت الرئاسة السورية تعميماً يحمل توقيع الأمين العام لرئاسة الجمهورية، يوجه الوزارات والجهات العامة كافة بالامتناع عن عرض السلع والمنتجات والخدمات وغيرها من التعاملات التجارية بغير الليرة السورية، واستخدام العملة الوطنية حصراً وسيلةً للمدفوعات أو لأي نوع من أنواع التداول التجاري والتسديدات النقدية.

وفي أبريل الماضي، قال مصرف سوريا المركزي إنه قرر إنشاء «سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب» في إطار خطة لإعادة هيكلة سوق الصرف، من دون تحديد موعد لبدء عملها.

انعكاس إيجابي

ويرى أستاذ الاقتصاد في جامعة دمشق عبد القادر عزوز، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن الخطوات الأخيرة التي اتخذتها السلطات النقدية السورية لإعادة ترتيب سوق النقد، لا سيما إصدار الليرة السورية الجديدة وحذف صفرين منها، تُعد خطوة إدارية وتنظيمية مهمة لتسهيل التعاملات اليومية وتقليص الكتلة النقدية المتداولة.

الشرع متحدثاً من دبي: سوريا باتت ممراً حيوياً للتجارة العالمية

وأوضح عزوز أن محاصرة الأسواق الموازية وتوحيد سعر الصرف من خلال إطلاق «سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب» سينعكس إيجاباً على كبح التضخم، شريطة زيادة المعروض من السلع والخدمات في السوق المحلية.

وعن تأثيرات هذه المسارات على العملة الوطنية، يرى عزوز أن استعادة الليرة السورية قوتها ووظائفها الأساسية كمقياس ومستودع للقيمة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بقوة الاقتصاد والعملية الإنتاجية والناتج المحلي الإجمالي، كون العملة مرآة للاقتصاد.

وأكد أن الإصلاحات النقدية وحدها لا تكفي، بل تتطلب معالجة ملف الطاقة واستقرار أسعار الوقود، وتنشيط الاستثمارات والتحويلات الخارجية، إلى جانب دعم القطاعين الصناعي والزراعي وتنشيط التصدير، وتطوير النظام المالي والمصرفي عبر التسريع في عملية التحول الرقمي الشامل.

ترتيبات مهمة لتوحيد أدوات الدفع داخل الاقتصاد

ويعتقد الخبير المصرفي أمجد نصر، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن الخطوات التي يتخذها مصرف سوريا المركزي لإعادة ترتيب سوق النقد تمثل مرحلة مهمة في إعادة بناء النظام النقدي السوري، خصوصاً مع العمل على سحب الليرة التركية تدريجياً من التداول المحلي، بالتوازي مع انتهاء عملية استبدال الأوراق النقدية السورية القديمة، مؤكداً أن الهدف هو تعزيز استخدام الليرة السورية كعملة وطنية وتوحيد أدوات الدفع داخل الاقتصاد.

وأضاف: «لكن من المهم التمييز بين تعزيز استخدام الليرة السورية وبين استعادة قوتها، خاصة أن قوة العملة لا تُبنى بمجرد سحب عملة أجنبية من التداول، وإنما تعتمد على مجموعة من العوامل، في مقدمتها استقرار الأسعار، والسيطرة على التضخم، وتحسن الإنتاج، وزيادة الصادرات والاستثمارات، وبناء احتياطيات نقدية وأجنبية، والأهم استعادة الثقة بالعملة وبالنظام المصرفي».

وفي المقابل، فإن سحب الليرة التركية من التداول المحلي لا يعني بالضرورة انتهاء دورها في العلاقات الاقتصادية بين سوريا وتركيا، بحسب نصر، موضحاً أن العلاقات المصرفية بين البلدين شهدت تطوراً مهماً من خلال الاتفاق الذي يسمح لمصرف سوريا المركزي بفتح حساب وديعة بالليرة التركية لدى البنك المركزي التركي.

وفي 29 يوليو الماضي، وُقّع اتفاق لفتح حساب بالليرة التركية باسم مصرف سوريا المركزي لدى البنك المركزي التركي، مع بحث مساعدة المصارف السورية على إنشاء حسابات مراسلة في تركيا. وفي 27 أغسطس، اتفقت سوريا والسعودية على إنشاء بنك مشترك وتطوير قنوات مصرفية مباشرة ومنظمة للتحويلات المرتبطة بالاستثمارات في عدة مجالات.

سوريا تجري أول عملية دفع دولية عبر ماستركارد ومجموعة QNB بعد توقف لأكثر من 15 عاماً

المصدر: مجموعة QNB مؤسسة مالية بمنطقة الشرق الأوسط وإفريقيا

واعتبر نصر أن هذه الخطوة يمكن أن تشكل أساساً لتطوير قنوات رسمية لتسوية جزء من المدفوعات والتجارة بين البلدين بالليرة التركية، بما يقلل في بعض المعاملات الحاجة إلى استخدام الدولار كعملة وسيطة، ويخفض تكاليف التحويل ومخاطر تعدد العملات.

وأضاف: «أما بالنسبة إلى إمكانية استعادة الليرة السورية لقوتها، فأعتقد أن ذلك ممكن، لكنه سيكون مساراً تدريجياً وليس نتيجة قرار نقدي منفرد، فكلما تحسن الإنتاج المحلي، وزادت القدرة على التصدير وجذب الاستثمارات، وتحسنت كفاءة القطاع المصرفي، وتراجعت معدلات التضخم، واستقرت السياسة النقدية وسعر الصرف، ستزداد الثقة بالليرة السورية».

وأكد الخبير المصرفي أمجد نصر أن التحدي الحقيقي أمام السياسة النقدية السورية ليس فقط إخراج العملات الأجنبية من التداول، وإنما بناء اقتصاد ومؤسسات مالية تجعل المواطن والشركات والمستثمرين يرغبون في الاحتفاظ بالليرة السورية واستخدامها.

وخلص نصر إلى أنه إذا نجحت سوريا في الجمع بين استقرار العملة، وتنشيط الإنتاج والتجارة، وإعادة بناء القطاع المصرفي، وتطوير العلاقات المالية مع الدول المجاورة، فإن الليرة السورية يمكن أن تستعيد تدريجياً دورها وثقة المتعاملين بها.

سوريا تطلق أول بطاقة دفع محلية مقبولة دولياً بالتعاون مع «ماستركارد»

وأكد الرئيس السوري أحمد الشرع، في منتدى الإعلام العربي في دبي منتصف سبتمبر الجاري، أن حجم الاقتصاد السوري وصل في عام 2010 إلى نحو 60 مليار دولار، وهو رقم متواضع رغم غنى سوريا، وأن حجم الاقتصاد عند تحرير دمشق في عام 2024 كان يسجل نحو 20 مليار دولار.

وقال الشرع إن الاقتصاد نما بعد تحرير دمشق من 20 مليار دولار إلى نحو 32 مليار دولار في عام 2025، متوقعاً أن يصل خلال العام الجاري إلى 50 مليار دولار، وأن يعود في عام 2027 إلى 60 مليار دولار.

وتطمح البرامج الاقتصادية، بحسب الشرع، إلى وصول حجم الاقتصاد إلى نحو 200 مليار دولار خلال السنوات الخمس أو العشر التالية، في حال استقرار الأوضاع في العالم.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ 11 ساعة
منذ 5 دقائق
منذ ساعة
منذ دقيقتين
الشرق بلومبرغ منذ ساعتين
صحيفة الاقتصادية منذ 19 ساعة
الشرق بلومبرغ منذ 19 ساعة
قناة العربية - الأسواق منذ ساعة
قناة CNBC عربية منذ ساعة
الشرق بلومبرغ منذ 22 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 7 ساعات
قناة العربية - الأسواق منذ 6 ساعات