إضاءات: تواجه الولايات المتحدة والصين، وهما أكبر اقتصادين في العالم، توترات تجارية كبيرة، مما يؤثر على الاقتصاد العالمي وسلاسل التوريد والنظام التجاري.
فرض الرئيس دونالد ترامب رسوماً جمركية على الصين في عام 2018، واستمر الرئيس جو بايدن في تطبيق معظمها. وازدادت هذه الرسوم صرامةً خلال ولاية ترامب الثانية، في حين ردت بكين بفرض رسوم جمركية مماثلة وضوابط صارمة على صادرات العناصر الأرضية النادرة وغيرها من المواد الحيوية لتطوير التكنولوجيا.
على الرغم من أن قرار المحكمة العليا الأميركية أبطل بعض التعرفات الجمركية التي فرضها قانون الطوارئ الذي أصدره ترامب، إلا أن الجزء الأكبر من التعرفات الجمركية المتعلقة بالحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين لا يزال ساري المفعول.
أدت قمة ترامب-شي في بكين في مايو/ آيار إلى تمديد فترة انفراج هشة بين البلدين، لكنها فشلت في التوصل إلى اتفاق شامل لاستعادة العلاقات التجارية الطبيعية.
لا تبدو القمة الجديدة معنية بالتجارة وحدها؛ إذ تتسع أجندة العلاقة الأميركية الصينية لتشمل ملفات استراتيجية أكثر تعقيداً، من سباق الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات إلى تايوان والعلاقات الصينية مع إيران
خاص CNBC عربية- محمد خالد
تأتي القمة المرتقبة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ في واشنطن هذا الأسبوع، في وقت تشهد فيه العلاقات بين أكبر اقتصادين مرحلة جديدة من التنافس المتصاعد، بعد أشهر من الهدنة التجارية الهشة التي أعقبت لقاء الزعيمين في بكين خلال مايو/أيار الماضي.
وبينما نجح الطرفان في احتواء بعض أخطر مظاهر التصعيد، لا تزال الرسوم الجمركية والقيود على المعادن الأرضية النادرة والتكنولوجيا المتقدمة تمثل نقاط خلاف جوهرية، فيما تقترب الهدنة التجارية من موعد استحقاق جديد في نوفمبر/تشرين الثاني.
وتبعاً لذلك، لا تبدو القمة الجديدة معنية بالتجارة وحدها؛ إذ تتسع أجندة العلاقة الأميركية الصينية لتشمل ملفات استراتيجية أكثر تعقيداً، من سباق الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات إلى تايوان والعلاقات الصينية مع إيران. فيما يظل الاقتصاد في قلب المحادثات، مع بحث واشنطن عن مزيد من المشتريات الصينية للسلع الأميركية، وتطلع بكين إلى تخفيف القيود الأميركية على التكنولوجيا، في وقت يحاول فيه الجانبان بناء آليات جديدة لإدارة العلاقات التجارية والاستثمارية بدلاً من العودة إلى دوامة التصعيد المتبادل.
وتحمل المعادن الأرضية النادرة أهمية خاصة في هذه الجولة من المفاوضات، بعدما تحولت صادراتها إلى إحدى أبرز أدوات الضغط المتبادل في الصراع التجاري والتكنولوجي. وبينما تسعى الولايات المتحدة إلى ضمان تدفق مستقر لهذه المواد الحيوية للصناعات المتقدمة والدفاع والطاقة، تضغط الصين للحصول على مساحة أكبر أمام شركاتها للوصول إلى التكنولوجيا الأميركية.
وبذلك، تتجاوز رهانات قمة واشنطن حدود التوصل إلى اتفاق تجاري واضحة معالمه، لتطرح سؤالاً أوسع حول مستقبل العلاقة بين واشنطن وبكين: هل يستطيع الطرفان تثبيت هدنة طويلة الأمد وإدارة خلافاتهما المتزايدة، أم أن الهدوء الحالي ليس سوى مرحلة مؤقتة تسبق جولة جديدة من الصراع التجاري والتكنولوجي؟
في هذا السياق يتحدث ثلاثة اقتصاديين أميركيين مع CNBC عربية عن الملفات الرئيسية التي يُعتقد أنها ستهيمن على القمة بين رئيسي أكبر اقتصادين في العالم، مُحددين الأطر الأساسية لخريطة التوازنات السياسية والاقتصادية بين واشنطن وبكين.
والخبراء الاقتصاديين هم:
جيفري فرانكل | أستاذ في جامعة هارفارد وعضو سابق في مجلس المستشارين الاقتصاديين بالبيت الأبيض
جاي ر. ريتر | استاذ التمويل بمعهد Cornell بجامعة فلوريدا الأميركية، رئيس جمعية الإدارة المالية
جوناثان د.أرونسون | الاستاذ بجامعة كاليفورنيا الجنوبية
يتناول الخبراء في هذه القراءة المفصلة للزيارة وأبعادها الجيوسياسية والاقتصادية التوازنات المعقدة التي تحكم القمة المرتقبة بين الرئيسين، بين حسابات الطاقة والسيادة الرقمية وتحديات التضخم العالمي وسلاسل التوريد، إلى جانب التوازنات الحزبية والسياسية في واشنطن قبل الانتخابات، علاوة على كيفية تفاعل الأسواق مع أي مؤشرات دالة على التقارب أو مزيد من الانفصال والتباعد بين القطبين.
العلاقات التجارية الثناية
يؤكد الخبراء أن القمة المرتقبة بين الرئيسين ترامب وشي تكتسب طابعاً استثنائياً؛ لكونها تمثل الاختبار المباشر والعملي لإمكانية إدارة الصراع التجاري الشرس وتحويله من مواجهة مفتوحة إلى مسار مُحكم عصي على الانفلات؛ فبينما تتنافس القوتان العظميان على ريادة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، يضع الطرفان ملف العلاقات التجارية على رأس أجندة محادثات واشنطن، للتوصل إلى تفاهمات جديدة تخفض التوترات وتؤمن سلاسل التوريد الحيوية دون التفريط بالحسابات السياسية والانتخابية.
تكتسب القمة أهميتها المحورية من كونها تأتي أعقاب اجتماعات تمهيدية مكثفة جرت في نيويورك بين مسؤولي المالية والتجارة من كلا البلدين لإعداد شروط تفاهم متوازن، وفي وقت تسعى واشنطن فيه إلى اقتناص مكاسب اقتصادية ملموسة تُبرز نفوذها وتلبي تطلعات الشارع الأميركي، وذلك في وقت يؤيد فيه الكثير من المستهلكين الأميركيين تعزيز التعاون مع الصين، وفقاً لاستطلاع رأي أجرته مؤسسة "سي إف آر-مورنينغ كونسلت" في يناير/ كانون الثاني 2026. كما حققت الشركات الأمريكية أرباحًا طائلة من الوصول إلى السوق الصينية.
ويشار إلى أنه في دراسة أجراها الخبيران الاقتصاديان خافيير جارافيل وإريك ساجر عام 2019، وجدا أن زيادة التجارة مع الصين رفعت القدرة الشرائية السنوية للأسرة الأميركية المتوسطة بمقدار 1500 دولار أميركي بين عامي 2000 و2007.
بينما تخوض بكين المفاوضات مدعومة بوزنها التصديري وسعيها لتفادي أي قيود جمركية إضافية قد تمس نموها الاقتصادي.
البيانات الرسمية.. العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة والصين بيانات
حجم
التبادل التجاري بين البلدين.. ما الذي ترويه أحدث البيانات؟
اضغط على الرابط للحصول على مزيد من التفاصيل.. حرب إيران.. ملف يفرض نفسه
تتصل خيوط هذه القمة مباشرة بأزمات أمن الطاقة في منطقة الشرق الأوسط؛ ففي قلب النقاشات (والتراشقات الدبلوماسية أيضاً)، يقف شريان النفط كعامل حاسم يوجه دفة القرار السياسي ويحدد سقف التصعيد بين القوى الكبرى.
تتجه الاتهامات الأميركية صوب بكين باعتبارها المشتري الأول والمستورد الأساسي للخام الإيراني، حيث تستوعب الأسواق الصينية الحصة الأكبر من صادرات طهران البحرية بأسعار تفضيلية وعبر تسويات مالية بعيدة عن هيمنة الدولار.
بالنسبة لإيران، يمثل هذا التدفق الاقتصادي شريان الحياة الأهم لتجاوز ضغوط الحصار، بينما تراه الصين ضرورة استراتيجية لا غنى عنها لضمان أمنها التنافسي والصناعي، والتحوط ضد تقلبات الأسواق العالمية. غير أن هذا الصنبور المفتوح يضع بكين في مرمى الانتقادات الأميركية المتكررة بتقديم غطاء اقتصادي وسياسي لطهران وسط الاضطرابات المتزايدة في منطقة الشرق الأوسط.
من جانبها، تخوض الإدارة الأميركية مناورة سياسية مزدوجة تتراوح بين الوعيد المباشر والمناورة الجمركية. فبينما تتصاعد التهديدات بالرقابة الصارمة على حركة الناقلات وتطبيق أقصى درجات الضغط الاقتصادي، برزت ملامح استراتيجية جديدة تعتمد على ربط ملف الطاقة بالحرب التجارية الشاملة. ويظهر ذلك في التلويح بتفعيل فرض رسوم جمركية عقابية مرتفعة على سلع الدول التي تصر على شراء الطاقة من الأطراف المستهدفة بالعقوبات، وفي مقدمتها الصين. ورغم هذه النبرة الحادة، تتسم التصريحات الأميركية أحيانًا بنوع من التذبذب والتناقض؛ حيث يصطدم الرغبة في خنق الإمدادات الإيرانية بمخاوف واشنطن الحقيقية من ارتفاع أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة إذا ما تقلص المعروض العالمي فجأة.. في المقابل، ترد بكين بنبرة متوازنة لكنها صارمة، حريصة على عدم التفريط في مصالحها الحيوية.
صادرات النفط الإيرانية للصين
يقول استاذ التمويل بمعهد Cornell بجامعة فلوريدا الأميركية، رئيس جمعية الإدارة المالية، جاي ر. ريتر، لدى حديثه مع CNBC عربية:
تمتلك الولايات المتحدة نفوذاً اقتصادياً محدوداً (على الصين)، لكن الحصار البحري لصادرات النفط الإيرانية يبدو أنه كان فعالاً في خنق هذه الصادرات (صادرات النفط الإيرانية للصين).
في الأشهر الستة الماضية، خفّضت الصين وارداتها من النفط، مما أدى إلى ارتفاعات في أسعار النفط أقل مما كانت ستكون عليه لولا ذلك. وقد خفّضت الصين وارداتها النفطية بطريقتين:
الأولى: في السنوات الأخيرة، استوردت الصين نفطًا أكثر مما تحتاجه للاستهلاك، مما أدى إلى تراكم احتياطيها النفطي الاستراتيجي. ومنذ بدء حرب إيران، توقفت الصين عن الإضافة إلى احتياطياتها.
الثانية: استخدمت الصين جزءاً من احتياطياتها، مما جعل الواردات أقل من حجم الاستهلاك. لكن هذا الخفض في الاحتياطيات لا يمكن أن يستمر إلى الأبد.
ويضيف: سواء استخدمت الصين النفط الإيراني أو نفطاً من مصادر أخرى، فإن الأمر لا يهم؛ فبمجرد أن تتوقف الصين عن السحب من احتياطياتها، ستطلب المزيد من النفط، مما يدفع أسعار النفط العالمية إلى الارتفاع. ومع ذلك، فإن مصدر النفط يحدِث بعض الفارق بالنسبة للمصافي؛ فبشكل عام، تُجهَّز مصفاة معينة لمعالجة نوع محدد من النفط، فالنفط القادم من إيران يختلف عن النفط القادم من فنزويلا، وتحويل المصفاة لمعالجة نوع آخر يُعد أمراً مكلفاً.
ماذا تقول البيانات؟
تراجعت الواردات الصينية من النفط لأقل مستوى منذ ديسمبر كانون الأول 2017 إلى 7.8 مليون برميل يومياً في يونيو/ حزيران، إذ سحبت بكين نفطاً من مخزونها لأول مرة في أكثر من عام، لكن بنك جيه بي مورغان يرى أن التراجع بمقدار 3 ملايين برميل يومياً في الطلب على الخام مؤقت، وسط تعافي تدريجي متوقع.
بينما ظهرت بوادر انتعاش الطلب الصيني في أغسطس، حيث ارتفعت واردات الصين من النفط الخام بنسبة 6.2% مقارنة بالشهر السابق لتصل إلى 37.9 مليون طن، وفقًا لبيانات الجمارك الصينية. ويمثل هذا الرقم أعلى مستوى للواردات منذ أربعة أشهر، على الرغم من أنه لا يزال أقل بنسبة تزيد عن 23% مقارنة بالعام الماضي.
وانكمشت الواردات الصينية من الخام بمستوى غير مسبوق 4.8 مليون برميل يومياً بين فبراير شباط ومايو أيار، وهو مستوى أقل من 4 ملايين برميل يومياً المسجل خلال ذروة جائحة كورونا في النصف الثاني من 2020.
وفي أغسطس، لم تستورد الصين النفط الخام الأميركي أو الفنزويلي أو الإيراني، فيما أفادت رويترز في وقت سابق بأن الارتفاع الحاد في الواردات من إندونيسيا قد يعكس جهودا لإخفاء شحنات النفط الخام الإيراني الخاضع للعقوبات التي يتم إعادة شحنها في المياه الإقليمية قبالة سواحل ماليزيا.
وفي المقابل، قفزت وارداتها من النفط الخام الروسي إلى 11.2 مليون طن (بما يعادل نحو 2.64 مليون برميل يومياً) بزيادة 41% على أساس سنوي و23% مقارنة بيوليو.
وفي سياق متصل، تُظهر البيانات الرسمية الصينية ارتفاع إنتاج النفط للشهر الثاني على التوالي في أغسطس/ آب، مدعوماً بصادرات الوقود القوية بعد أن خففت بكين قيود التصدير في منتصف يوليو/ تموز.
ارتفع إنتاج الصين المحلي من النفط الخام في أغسطس بنسبة 0.8٪ على أساس سنوي ليصل إلى 18.43 مليون طن متري، أو 4.34 مليون برميل يومياً.
وترتفع أسعار النفط لأن الصين تعود الآن إلى استيراد نفس كمية النفط التي كانت تستوردها قبل عام. ولو انتهى الحصار الأميركي لصادرات النفط الإيراني، وعادت صادرات دول الخليج إلى معدلاتها الطبيعية، لانخفضت أسعار النفط، وفق ريتر، الذي يضيف: " إن الهجمات الإيرانية وهجمات الحوثيين على شحنات النفط وخطوط الأنابيب في الخليج مسؤولة عن ارتفاع أسعار النفط تمامًا كمسؤولية الحصار الأميركي على الصادرات الإيرانية".
اقرأ/ شاهد أيضاً
ويشار إلى أن بكين استوردت نحو 1.4 مليون برميل يوميا من النفط الإيراني العام الماضي، وهو معدل يوازي 12% تقريباً من إجمالي وارداتها النفطية، وبخصم يقدر غالبا بين 8 و10 دولارات للبرميل مقارنة بالواردات النفطية من دول أخرى، بحسب.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من قناة CNBC عربية




