بينما تنفق شركات التكنولوجيا مليارات الدولارات لتطوير وكلاء ذكاء اصطناعي قادرين على البحث عن المنتجات ومقارنتها وشرائها نيابة عن المستهلك، يطرح أحد أبرز الأسماء التي ساهمت في تغيير مفهوم المتجر الحديث سؤالاً اقتصادياً مختلفاً: هل يريد المستهلك فعلاً أن يتخلى عن عملية التسوق لصالح الآلة؟
رون جونسون، الذي تولى عام 2000 مهمة بناء قطاع التجزئة في أبل وساهم في تطوير شبكة متاجرها، يرى أن الذكاء الاصطناعي سيحسن تجربة التسوق عبر الإنترنت، لكنه لا يعتقد أنه سيغير بالضرورة الطريقة التي يختار بها الناس شراء منتجاتهم.
«أمازون» تتعاون مع «أوبن إيه آي» لعرض إعلانات داخل «تشات جي بي تي»
مليارات تُراهن على «التجارة الوكيلة»
يتزامن هذا الرأي مع تحول واسع في قطاع التكنولوجيا نحو ما يعرف بـ«التجارة الوكيلة»، حيث تتولى أنظمة الذكاء الاصطناعي مراحل متزايدة من رحلة الشراء، بدءاً من اكتشاف المنتج وصولاً إلى الدفع.
وتدفع «غوغل» في هذا الاتجاه من خلال «بروتوكول التجارة الشامل»، وهو معيار يهدف إلى تمكين وكلاء الذكاء الاصطناعي من الانتقال بالمستهلك من البحث عن المنتجات إلى إتمام عملية الشراء.
أما «أوبن إيه آي»، فتعمل على تحويل «تشات جي بي تي» إلى وجهة للتسوق، بحيث يستطيع المستخدم البحث عن المنتجات ومقارنتها، وفي بعض الحالات شراء المنتجات من دون مغادرة المحادثة.
اقتصادياً، يحمل هذا التحول احتمالاً كبيراً لإعادة توزيع القيمة داخل قطاع التجارة الإلكترونية. فإذا أصبح وكيل الذكاء الاصطناعي هو الطرف الذي يختار المنتج، فقد تتحول المنافسة من جذب انتباه المستهلك مباشرة إلى التأثير في الخوارزمية التي تتخذ القرار نيابة عنه.
لماذا لا يثق جونسون بالشراء الآلي الكامل؟
يوضح جونسون، في مقابلة مع موقع «تك كرانش»، أن بعض المشتريات، خصوصاً المنتجات مرتفعة السعر، ستظل مرتبطة بالتجربة البشرية المباشرة.
ويضرب مثالاً بالحواسيب المحمولة التي يتراوح سعرها بين 1000 و2000 دولار. ففي رأيه، لن يترك كثير من المستهلكين لوكيل ذكاء اصطناعي مهمة اختيار جهاز بهذا السعر وشرائه من دون زيارة موقع إلكتروني أو متجر.
فالكمبيوتر ليس مجرد مجموعة مواصفات تقنية، إذ إن المستهلك قد يرغب في لمس الجهاز، والشعور بوزنه، ورؤية الشاشة، وتجربة حجمه قبل دفع مبلغ كبير.
وبذلك، لا يرى جونسون أن الذكاء الاصطناعي سيختفي من رحلة التسوق، بل سيغير موقعه فيها. فقد يساعد المستهلك على تضييق الخيارات والوصول إلى معلومات أفضل، قبل أن يتوجه إلى المتجر لاتخاذ القرار النهائي.
نموذج «أبل» لا يعتمد على البيع فقط
يرتبط موقف جونسون بتجربته في بناء متاجر أبل قبل أكثر من عقدين. فالفكرة، بحسب روايته، لم تكن إنشاء أماكن لبيع أجهزة ماك فقط، بل مساحات يستطيع فيها العملاء تجربة المنتجات وتعلم استخدامها والحصول على المساعدة عند مواجهة المشكلات.
ويقول جونسون إن العامل الأهم في نموذج أبل لم يكن تصميم المتاجر الزجاجي أو المساحات المفتوحة أو «جينيَس بار»، وإنما الموظفون وطريقة تعاملهم مع العملاء.
كما أن موظفي متاجر أبل لم يكونوا يتقاضون عمولات على المبيعات، وفق جونسون، بهدف إزالة الضغط المرتبط بإتمام الصفقة والتركيز بدلاً من ذلك على معرفة احتياجات العميل.
من الدراسة إلى المطبخ.. كيف أصبح «تشات جي بي تي» جزءاً من حياتنا؟
تجربة جونسون تكشف تكلفة تغيير قطاع كامل
بعد مغادرته أبل، تولى جونسون إدارة جي سي بيني عام 2011، محاولاً إعادة ابتكار سلسلة المتاجر المتعثرة. لكنه غادر المنصب بعد أقل من عامين، في أعقاب تراجع المبيعات.
ويقول جونسون اليوم إنه حاول تغيير الكثير وبسرعة كبيرة، من دون إشراك الموظفين والعملاء بالقدر الكافي. ويصف الخطأ بأنه تطبيق عقلية الشركات الناشئة على عملية كان المطلوب فيها تنفيذ تحول تدريجي لشركة قائمة.
لاحقاً أسس جونسون شركة إنجوي تكنولوجي، التي قدمت منتجات تقنية وخدمات إعدادها مباشرة إلى منازل العملاء، لكنها تقدمت بطلب للإفلاس عام 2022 وباعت معظم أصولها إلى أسوريون.
الذكاء الاصطناعي قد يغير المتجر بدلاً من إلغائه
المفارقة أن جونسون لا يعارض الذكاء الاصطناعي نفسه، بل يقول إنه مؤمن قوي بهذه التكنولوجيا ومتفائل بها. لكنه يرى أن الذكاء الاصطناعي لن يحل بالكامل محل الحدس البشري.
ومن هذه الزاوية، قد لا يكون المستقبل الاقتصادي للتجزئة قائماً على الاختيار بين المتجر والذكاء الاصطناعي، فقد يعمل الاثنان معاً: يتولى الذكاء الاصطناعي البحث والمقارنة وتصفية الخيارات، بينما يحتفظ المتجر بدور التجربة والتفاعل والثقة واتخاذ القرار.
وهذا يعني أن المنافسة المقبلة قد لا تكون بين التجارة الإلكترونية والمتاجر التقليدية فقط، بل بين نماذج مختلفة تجمع التكنولوجيا بالتجربة البشرية. وفي سوق تنفق فيه الشركات مليارات الدولارات على أتمتة عمليات الشراء، يبقى السؤال الاقتصادي الأهم هو مقدار ما يرغب المستهلك فعلاً في تفويضه للآلة.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس
