يتجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جينبينغ إلى قمة واشنطن غداً الخميس، وكل منهما يحمل أوراق ضغط اقتصادية يريد الاحتفاظ بها قبل تقديم أي تنازل للطرف الآخر.
وتصل القمة بعد هدنة أوقفت حرباً تجارية رفعت الرسوم المتبادلة إلى مستويات استثنائية، فيما تعود التعريفات والذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة لتحدد مساحة المناورة على الطاولة.
وتضيف حرب إيران ورقة جديدة إلى المساومة، مع رغبة واشنطن في تعاون بكين للضغط على طهران، مقابل سعي الصين لتثبيت الهدنة التجارية وتخفيف القيود الأميركية على التكنولوجيا.
الدولار يكسر معادلة الحرب.. هل تحميه صقور «الفيدرالي» من ضعف النفط؟
من يرمش؟
يرى مدير مركز جون إل ثورنتون الصيني لدى «بروكينغز»، ريان هاس، أن ترامب وشي يديران العلاقة بحثاً عن مكاسب صغيرة وتجنب الصدام، بدلاً من محاولة تسوية الخلافات الاقتصادية دفعة واحدة.
وقال هاس إن التوازن الهش يمنح الزعيمين فرصة لطمأنة الداخل بشأن إدارة العلاقة مع المنافس الجيوسياسي الأبرز، ويوفر في الوقت نفسه مساحة لتقليل اعتماد كل اقتصاد على الآخر.
وترى كبيرة الباحثين لدى «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية»، كلير ريد، أن واشنطن قد تفضل تمديداً محدوداً للهدنة، لأن موعد انتهائها يمثل ورقة نفوذ لا ترغب في التخلي عنها طويلاً.
فاتورة الرسوم
بلغت الرسوم الأميركية على الواردات الصينية 145% عند ذروة المواجهة التجارية، مقابل رسوم انتقامية صينية وصلت إلى 125%، قبل أن تقود المفاوضات إلى خفض مستويات التصعيد.
ورغم الهدنة، بلغ معدل التعريفة الجمركية الأميركية الفعلي على المنتجات الصينية 22.8% في يوليو، وهو الأعلى بين الشركاء التجاريين الرئيسيين للولايات المتحدة، وفق «بن وارتون».
وتضع تقديرات أخرى متوسط الرسوم المتبادلة عند مستويات أعلى، بينما تظل التجارة بين البلدين أقل كثيراً من مستويات ما قبل الحرب التجارية، رغم بقاء الصين شريكاً اقتصادياً رئيسياً لواشنطن.
ذرى تاريخية ورهبة سقوط.. هل يفتح النفط الضعيف شهية مخاطر الأسهم؟
ورقة التجارة
تراجعت تجارة السلع الأميركية مع الصين بنحو 30% خلال 2025 مقارنةً بالعام السابق، واستمر الانخفاض خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، بعد سنوات من إعادة تشكيل سلاسل التوريد.
وبلغ عجز تجارة السلع الأميركية مع الصين نحو 91.2 مليار دولار خلال الأشهر السبعة الأولى من العام، بينما سجل العجز الشهري مع بكين 15.2 مليار دولار خلال يوليو.
وتظهر بيانات التجارة الأميركية أن المكسيك وكندا سبقتا الصين في ترتيب الشركاء، بعدما كانت بكين أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة حتى 2019، ما يعكس اتساع عملية تنويع سلاسل الإمداد.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ أثناء مأدبة رسمية في قاعة الشعب الكبرى، العاصمة الصينية بكين، يوم 14 مايو 2026.
أوراق «شي»
تدخل بكين القمة مستندةً إلى قدرة صادراتها على مقاومة الضغوط الأميركية، فيما تمنحها هيمنتها على معالجة المعادن النادرة والمغناطيسات المستخدمة في التكنولوجيا والدفاع ورقة ضغط إضافية.
وقال الخبير في العلاقات الاقتصادية الأميركية الصينية لدى «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية»، سكوت كينيدي، إن استخدام ضغوط أميركية أحادية ضخمة لإجبار الصين على تقديم تنازلات لم يحقق النتائج المرجوة.
وتشير قراءات المؤسسات إلى أن بكين قللت اعتماد صادراتها على السوق الأميركية عبر توسيع التجارة مع آسيا وأوروبا وأفريقيا، ما خفف جزئياً أثر الرسوم الأميركية على الاقتصاد الصيني.
صقور الفيدرالي يحلقون.. هل تنفجر مواجهة مبكرة بين وارش وترامب؟
أوراق ترامب
قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن العلاقة الشخصية بين ترامب وشي تدعم المفاوضات، لكنه أكد أن هناك نتائج ضمن الاتفاقات السابقة لم تنفذها الصين بالكامل حتى الآن.
وتضغط واشنطن لزيادة المشتريات الصينية من المنتجات الزراعية والطاقة والطائرات، فيما لا تزال صفقة شراء 200 طائرة من «بوينغ» التي طرحت سابقاً دون تنفيذ كامل حتى الآن.
وقال بيسنت إن المفاوضات أحرزت تقدماً بشأن اتفاق «30 مقابل 30» للسلع غير الحساسة، بما يسمح بخفض الرسوم المتبادلة على تجارة تصل قيمتها إلى 30 مليار دولار لكل جانب.
رهان الهدنة
تنتهي الترتيبات الحالية للهدنة في 10 نوفمبر، بعدما علقت الصين بعض قيود تصدير المعادن النادرة، مقابل تخفيف واشنطن جانباً من الرسوم وتعليق إجراءات تجارية انتقامية أخرى.
ويرى محللو الشؤون الصينية لدى «بنك أوف أميركا» أن تمديد الهدنة لمدة عام يمثل السيناريو الأساسي، مع إمكانية إضافة مشتريات صينية من السلع والطائرات الأميركية إلى التفاهمات.
ويتوقع البنك تقدماً محدوداً في الملفات الأخرى، خصوصاً توسيع وصول الصين إلى أشباه الموصلات المتقدمة أو تخفيف ضوابط التصدير الأميركية التي لا تزال تمثل إحدى أصعب نقاط الخلاف.
الدولار والفائدة يطوقان الذهب.. هل ينقذ النفط خط دفاع الأونصة؟
السؤال الأهم
ترى رئيسة أبحاث السياسة العامة الأميركية لدى «مورغان ستانلي»، أريانا سالفاتوري، أن السؤال الأهم للأسواق ليس التوصل إلى اتفاق شامل، بل قدرة القمة على منع عودة قفزة كبيرة في الرسوم.
وتضع سالفاتوري التجارة والمعادن الحرجة والذكاء الاصطناعي في مقدمة الملفات، مع اقتراب مواعيد انتهاء ترتيبات مؤقتة ساعدت على تثبيت العلاقة الاقتصادية خلال الأشهر الماضية.
ويرى البنك أن انخفاض الاحتكاك قد يقلص تقلبات الأسواق على المدى القصير، من دون وقف الاتجاه الأطول نحو تنويع سلاسل الإمداد وبناء منظومتين تكنولوجيتين أكثر استقلالاً.
الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لدى نزوله من طائرة الرئاسة «إير فورس ون» لحظة وصوله إلى ويست بالم بيتش، فلوريدا، الولايات المتحدة، 20 مارس 2026.
صفقة كبرى
يرى «دويتشه بنك» أن فرص التوصل إلى صفقة أميركية صينية كبرى تظل محدودة، مرجحاً أن تنتج القمة استقراراً تكتيكياً بدلاً من مصالحة اقتصادية تعالج جذور المنافسة.
ويتوقع البنك أن تتركز النتائج الممكنة على التجارة والمشتريات الزراعية والاستثمار وتمديد ترتيبات بوسان، بما يسمح بالحفاظ على الاستقرار بين الطرفين إلى العام المقبل.
ويرى «دويتشه بنك» أن قيود التكنولوجيا وسلاسل الإمداد والمنافسة في الذكاء الاصطناعي تضع سقفاً لأي تقارب، حتى إذا نجحت القمة في منع جولة جديدة من التصعيد التجاري.
النفط لم يشتر تهديد ترامب.. البرميل يسعر خصماً لا علاوة للمخاطر؟
سلاح المعادن
ترى سالفاتوري لدى «مورغان ستانلي» أن المعادن الحرجة تقدم أحد أوضح نماذج النفوذ المتبادل، إذ تريد واشنطن تدفقات صينية أكثر استقراراً مقابل مطالب بكين بشأن قيود التكنولوجيا.
وتدخل المعادن في صناعات أشباه الموصلات والسيارات والطيران والدفاع، بينما تقترب في نوفمبر مواعيد مرتبطة بقيود الصين على المعادن وضوابط الولايات المتحدة على التكنولوجيا.
ويقول البنك إن نتيجة القمة قد تحدد ما إذا كانت القيود المعلقة ستظل مجمدة أو تعود إلى التنفيذ، ما يحول المعادن من ملف تجاري إلى إحدى أقوى أوراق التفاوض بين البلدين.
حرب الرقائق
ترى «مورغان ستانلي» أن المنافسة تجاوزت الرقائق المتقدمة إلى الحوسبة السحابية وتوزيع النماذج والمشتريات واستخدام نماذج الذكاء الاصطناعي الأجنبية، ما يصعب الوصول إلى تسوية واسعة.
وقال بيسنت إن الذكاء الاصطناعي سيكون ضمن الملفات الرئيسية للقمة، بعدما ناقش المفاوضون إنشاء آلية تسمح للبلدين بإخطار بعضهما بالحوادث المرتبطة بالتكنولوجيا ذات التداعيات الأمنية.
ويرى «دويتشه بنك» أن سباق الذكاء الاصطناعي يتحرك بسرعة تجعل الدبلوماسية غير قادرة على إبطائه بصورة جوهرية، رغم إمكانية الاتفاق على مجالات محدودة لإدارة المخاطر المشتركة.
منصة إنتاج نفطية بجانب العلم الإيراني بتاريخ 25 يوليو 2005.
ورقة إيران
قال بيسنت إن العقوبات المرتبطة بإيران نوقشت بالفعل مع المسؤولين الصينيين، مفضلاً معالجة الملف في محادثات هادئة خلف الكواليس بدلاً من تحويله إلى مواجهة علنية بين البلدين.
وتبقى الصين أكبر شريك تجاري لطهران ومشترياً رئيسياً للنفط الإيراني، فيما كثفت واشنطن ضغوطها الاقتصادية على إيران ووضعت التعاملات المرتبطة بها تحت تدقيق متزايد.
وترى «مورغان ستانلي» أن الحرب الأميركية الإيرانية تمثل خطراً إضافياً على المحادثات، ما يضيف الطاقة والعقوبات إلى ملفات التجارة والتكنولوجيا والمعادن المطروحة أمام الزعيمين.
مكاسب صغيرة
يرى هاس لدى «بروكينغز» أن تحقيق مكاسب صغيرة وتجنب الصراع يخدم الزعيمين، فيما يضع «بنك أوف أميركا» تمديد الهدنة في صدارة النتائج المنتظرة بدلاً من صفقة شاملة.
ويرى «دويتشه بنك» أن الاستقرار التكتيكي أكثر واقعية من المصالحة، بينما يضع «مورغان ستانلي» منع عودة قفزة الرسوم والحفاظ على استقرار المنافسة في مقدمة اختبار القمة.
وتضع كلير ريد مدة الهدنة نفسها ضمن أوراق التفاوض الأميركية، في وقت يحتفظ فيه الجانب الصيني بالمعادن والتجارة والمشتريات قبل الموعد الحاسم لانتهاء الترتيبات في نوفمبر.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس



