كثيرًا ما أسمع من صديقاتي غير الأردنيات ملاحظة تتكرر بصيغ مختلفة:
«أنتم الأردنيين شعب احتفالي عندكم لكل شيء تقريبًا مناسبة!»
وكل مرة أضحك. إلى أن فكرت فيها فعلًا.
ننجح في التوجيهي؟ نحتفل.
نتخرج من الجامعة؟ نحتفل.
يرجع ابن من الغربة؟ استقبال ولمّة وفرح. خطوبة، جاهة، حنّة، سهرة عريس، سهرة عروس، عرس، مولود جديد وأحيانًا أشعر أننا لو وجدنا سببًا صغيرًا للفرح، نكبّره حتى يكفي العائلة والجيران ونصف الحارة.
نعم. نحن شعب يحب الفرح.
والأجمل أن هذه ليست صفة جديدة فينا، ولا عادة طارئة جاءت مع زمن المهرجانات ومنصات التواصل.
قبل المسارح والإضاءة والتذاكر وفرق التنظيم، عرف أجدادنا كيف يصنعون فرحهم بأيديهم.
كان هناك السامر والهجيني والشروقي والدبكة والربابة والمجوز. كانت الساحات مسارح، وكانت المضافات تتسع للغناء كما تتسع للحديث والقهوة والضيف.
لم يكن أحد يسأل يومها إن كان الفرح يليق بهويتنا.
كان الفرح جزءًا من الهوية نفسها.
ثم كبر الأردن، وكبرت مدنه، وتغير شكل الحياة. دخل الراديو إلى البيوت، ثم التلفزيون، وجاء المسرح والمهرجان والحفل والفرقة الموسيقية. تغير شكل الفرح
لكنه لم يغادرنا.
والأطرف فينا أننا لا نحتاج حتى إلى أغنية راقصة كي نرقص. نحن قادرون تقريبًا على الدبكة على أي شيء.
كم مرة بدأت في عرس أو مناسبة أغنية وطنية، فنهضت القاعة كلها؟
وإذا كانت الأغنية للجيش، او الملك فالموضوع محسوم:
تصفيق ودبكة وهيصة، وقد ينسى العريس للحظات أنه العريس ويصبح قائد الصف !
وقد شاهدت بنفسي دهشة أصدقاء أجانب وهم يرون الأردنيين يرقصون بحماس على أغنية وطنية تتحدث عن الجيش.
بالنسبة إليهم كان المشهد غريبًا.
أما بالنسبة إلينا فكان طبيعيًا جدًا.
فنحن لا نضع الوطن في صندوق المناسبات الرسمية.
نغني له. نزغرد له. ندبك له.
ونأخذه معنا حتى إلى أعراسنا.
ربما لا توجد شعوب كثيرة تستطيع أن تجعل أغنية للجيش جزءًا من ليلة عرس لكننا نفعلها.
وهذا وحده يكفي ليقول شيئًا عن علاقتنا الغريبة الجميلة بالفرح.
لكن متى أصبح علينا أن نعتذر لأننا نفرح؟
في السنوات الأخيرة بدأت ألاحظ شيئًا يقلقني أكثر من أي حفلة أو مهرجان أو احتفال. بدأ البعض يتعامل مع الفرح نفسه وكأنه موقف سياسي أو أخلاقي يحتاج إلى تبرير.
إذا احتفل الناس، جاء من يسأل:
كيف تفرحون وهناك من يتألم؟
إذا أقيم مهرجان: أهذا وقته؟
إذا غنى الناس: أين إحساسكم؟
وإذا امتلأت ساحة بالضحك والموسيقى: يظهر من يربط المشهد كله بالوطنية والكرامة والانتماء.
وكأن المواطن الجيد يجب أن يبدو حزينًا طوال الوقت حتى يثبت أنه مواطن جيد.
وكأن الضمير لا يعمل إلا في الوجوه العابسة.
وفلسطين؟؟؟
وهنا يصبح السؤال أكثر حساسية.
نعرف ماذا تعني
للأردن.
نعرفها في بيوتنا وذاكرتنا ووجداننا، ونعرف حجم الألم الذي دخل بيوت الأردنيين وهم يشاهدون ما يحدث هناك وعلى مدى عقود..
لكنني أرفض فكرة غريبة بدأت تتسلل إلى خطاب البعض:
أن علينا أن نتوقف عن الحياة حتى نثبت أننا نتألم.
هل إذا أقام أردني عرس ابنه صار أقل إحساسًا بغزة؟ هل إذا نجح طفل واحتفلت عائلته به خان القضية؟ هل إذا امتلأ مسرح أو أقيم مهرجان أو ضحك
مساءً، فهذا يعني أنهم نسوا من يتألم على بعد أميال منهم؟
من قال إن
يعمل بهذه الطريقة؟ نحن نستطيع أن نحزن ونفرح في
نفسه.
أن نبكي على طفل لا نعرفه في غزة، ثم نضحك مع طفلنا في البيت.
أن نتبرع صباحًا، ونحضر عرسًا مساءً......
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من وكالة أنباء سرايا الإخباريه
