فتح قرار تونسي جديد لمنع تداول الوثائق الحكومية عبر «واتساب» مجالاً أمام توسع أعمال شركات الأمن السيبراني ومراكز البيانات ومزودي الخدمات السحابية في البلاد، مع انتقال حماية الأنظمة العامة إلى متطلبات ملزمة تفرض إنفاقاً إضافياً على البنية الرقمية والخدمات التقنية.
فالمنشور الذي أصدرته الحكومة في 2 سبتمبر يلزم الوزارات والمؤسسات والمنشآت العامة بتطبيق حزمة واسعة من إجراءات الأمن السيبراني، مع توفير الموارد التقنية والبشرية والاعتمادات المالية اللازمة لتنفيذها واستدامتها، ما يحول الامتثال للقرار إلى مصدر طلب على خدمات الحماية والاستضافة والتدقيق والتشغيل.
يأتي القرار في سوق يشهد بالفعل عقوداً بملايين الدنانير. فقد أُسند خلال العام الجاري مشروع السحابة الخاصة لـ«المركز الوطني للإعلامية»، إلى جانب عقود لإدارة الحسابات ذات الصلاحيات المرتفعة وحماية تطبيقات الويب، ما يوفر قاعدة قائمة يمكن أن يتسع فوقها الإنفاق المرتبط بالمتطلبات الجديدة.
عجز تجاري متصاعد وصدمات خارجية.. اقتصاد تونس أمام «اختبار مزدوج»
من يستحوذ على إنفاق الأمن السيبراني في تونس؟
تمنح قواعد الاستضافة الواردة في المنشور مؤشراً أولياً إلى الجهات التي يمكنها المنافسة على جانب من الإنفاق. فبحسب «وكالة تونس إفريقيا للأنباء»، تفرض الحكومة استضافة المواقع والمنصات العامة حصرياً لدى «المركز الوطني للإعلامية» أو مراكز البيانات العمومية القطاعية أو مشغلي الاتصالات المرخص لهم، باستثناء حالات ترتبط باعتبارات الأمن والدفاع.
وتحصر هذه الشروط جانباً من الطلب على الاستضافة والحوسبة والبنية التحتية ضمن قاعدة محددة من مقدمي الخدمات المؤهلين، فيما تفتح بقية الالتزامات مجالاً أمام شركات الأمن السيبراني ومقدمي الخدمات التقنية المتخصصة.
وتعطي الصفقات الحكومية القائمة مؤشراً إلى القيمة المالية لبعض هذه الأعمال، إذ تظهر «منظومة الصفقات العمومية» أن مشروع السحابة الخاصة لـ«المركز الوطني للإعلامية» أُسند في يناير إلى تجمع تقوده شركة «ستاندرد شيرينغ سوفتوير» (Standard Sharing Software).
وفي يوليو، فازت شركة «نكست ستيب آي تي» (Next Step IT) بعقد قيمته نحو 594.6 ألف دينار شامل الضرائب لإدارة الحسابات ذات الصلاحيات المرتفعة، فيما أُسند إلى «ستاندرد شيرينغ سوفتوير» عقد آخر بنحو 227.3 ألف دينار لتوفير جدار حماية لتطبيقات الويب.
وسبقت هذه الاستثمارات المنشور الجديد، ما يجعلها مؤشراً إلى قاعدة الإنفاق القائمة على حماية البنية الرقمية الحكومية قبل توسيع نطاق الالتزام بإجراءات الأمن السيبراني على مستوى القطاع العام.
نماذج لأشخاص يعملون على أجهزة كمبيوتر وقفل، أمام عبارة «الأمن السيبراني» ورموز ثنائية معروضة، في صورة توضيحية التُقطت في 1 فبراير 2022.
متطلبات تقنية جديدة لتعزيز البنية الرقمية الحكومية
لا يحدد المنشور منتجاً تقنياً واحداً يتعين شراؤه، وإنما يفرض سلسلة من الالتزامات التي تتوزع على طبقات مختلفة من البنية الرقمية الحكومية.
ووفق «وكالة تونس إفريقيا للأنباء»، يتعين على الجهات العامة استخدام حسابات البريد الإلكتروني الوطنية الرسمية، وتفعيل المصادقة متعددة العوامل لجميع المستخدمين والمسؤولين، وإجراء تدقيق شامل للأنظمة مرة سنوياً وقبل تشغيل أي إصدار رئيسي جديد.
وتشمل المتطلبات أيضاً الاشتراك في خدمات الحماية من هجمات حجب الخدمة الموزعة، وتسجيل العمليات وأرشفتها، وعزل قواعد البيانات الحساسة، وتعزيز القدرة على الاستجابة للحوادث، فضلاً عن إعداد خطط لاستمرارية النشاط والتعافي من الكوارث.
وتجمع هذه الالتزامات بين استثمارات في البنية التحتية والتجهيزات ومصروفات تشغيلية تستمر طوال دورة حياة الأنظمة، ما يوسع السوق من تنفيذ المشروعات التقنية إلى توفير الخدمات اللازمة لتشغيلها وحمايتها.
وفي أغسطس، طرحت «الهيئة الوطنية للاتصالات» مناقصة لتوفير وتركيب وتشغيل مركز لعمليات الأمن السيبراني عبر مزود متخصص، في مثال على نوعية الخدمات التي يتجه إليها الإنفاق الحكومي في هذا المجال.
آلاف الهجمات السيبرانية تدعم الطلب على الحماية
يتزامن توسيع متطلبات الحماية مع ارتفاع مستوى المخاطر التي تواجه البنية الرقمية في تونس. فقد سجلت «الوكالة الوطنية للسلامة السيبرانية» نحو 35 ألف هجوم لحجب الخدمة الموزعة خلال النصف الأول من 2026، ووصلت ذروة أحدها إلى 636 غيغابت في الثانية.
كما أصدرت «منظومة الاستجابة للطوارئ المعلوماتية» التابعة للوكالة 336 إشعاراً أمنياً متعلقاً بالثغرات والبرمجيات الخبيثة خلال الفترة نفسها.
وتضع هذه الأرقام القرار الحكومي في سياق إنفاقي واضح، إذ تتزامن إلزامية الحماية من هجمات حجب الخدمة مع ارتفاع مستوى التهديدات، ما يعزز الحاجة إلى الاستثمار في حماية البنية الرقمية الحكومية.
تونس تواجه صيفاً استثنائياً.. الحرارة تضغط على الطاقة والمياه
الأمن السيبراني ركيزة أساسية في الموازنات الحكومية
يمنح القرار سوق الأمن السيبراني في تونس قاعدة طلب أكثر استقراراً، إذ لم تعد حماية الأنظمة مرتبطة فقط بمشروعات التحديث الرقمي أو بقرارات منفردة تتخذها كل مؤسسة، بل أصبحت جزءاً من متطلبات الامتثال التي يتعين توفير الاعتمادات اللازمة لها.
ويغير ذلك طبيعة الفرصة أمام شركات التكنولوجيا. فإلى جانب المشروعات الكبرى للبنية التحتية، تفتح المتطلبات الجديدة مجالاً أمام مجموعة أوسع من الموردين ومقدمي الخدمات للمنافسة على الإنفاق الحكومي، سواء عبر تنفيذ أنظمة الحماية أو توفير الخبرات والخدمات المرتبطة بها.
ويبقى حجم الأعمال التي سيولدها القرار مرتبطاً بوتيرة التنفيذ والاعتمادات التي تخصصها الجهات العامة، لكن الصفقات القائمة تظهر أن السوق يمتلك بالفعل قاعدة من الموردين والاستثمارات يمكن أن تتوسع مع تطبيق المتطلبات الجديدة.
وبذلك، يمثل حظر تداول الوثائق الحكومية عبر «واتساب» الجزء الأكثر وضوحاً من تحول أوسع في سوق التكنولوجيا الحكومية، مع انتقال الأمن السيبراني من احتياجات تقنية متفاوتة بين مؤسسة وأخرى إلى بند أكثر انتظاماً في الإنفاق العام، لتصبح المنافسة على تنفيذ متطلبات الحماية واستدامتها الوجه التجاري الأبرز للقرار.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

